ثقافة

"فلترجموها بوردة" لأماني غيث.. رسائل لإعادة تقييم الواقع الاجتماعي العربي‎
تاريخ النشر: 15 مارس 2021 8:44 GMT
تاريخ التحديث: 15 مارس 2021 10:50 GMT

"فلترجموها بوردة" لأماني غيث.. رسائل لإعادة تقييم الواقع الاجتماعي العربي‎

تضيء الشاعرة اللبنانية أماني غيث على قضايا جوهرية في حياة المرأة العربية، وكذلك من هم على الهامش، من الفقراء والكادحين، في مجموعتها الشعرية "فلترجموها بوردة"،

+A -A
المصدر: حسام معروف - إرم نيوز

تضيء الشاعرة اللبنانية أماني غيث على قضايا جوهرية في حياة المرأة العربية، وكذلك من هم على الهامش، من الفقراء والكادحين، في مجموعتها الشعرية ”فلترجموها بوردة“، الصادرة عن دار ناريمان للنشر والطباعة والتوزيع 2021.

وتعبّر غيث في قصائدها عن صوت غالبية النساء في المجتمع العربي، بما يرينه من الإحباط إثر معايشة الواقع، والتنمط الإقصائي خلاله. فتكتب عن خوف النساء وحزنهن ووحدتهن، وقضاياهن المحورية، وتلسع بذلك جلد المجتمع العربي لتوقظ الإنسان فيه.

وقد آثرت الشاعرة تقسيم الديوان إلى خمسة محاور أساسية مصحوبة بعناوين، وهي: الإنسان.. الإنسان، الوطن، أفلت الفراشات، هيروين المعنى، طلاسم القلب.

ونجد في نصوص أماني غيث، صرخات، وثورة، ومواجهة حقيقية، على عكس اتجاه دوران الترس. ففي مكاشفتها، جراح ونُدب، وتخثرات في العاطفة والوعي.

2021-03-Screenshot_2021-02-25-21-57-582-1-1024x575

إنها رحلة ”الكشط عن الجراح“، لتفسير العالم دون إغماض للعين أو الجسد، وكأنما  بلحظاتها الشعرية تقف الشاعرة كفزاعة وسط الموتى لتوقظهم.

كما يتحقق في قصيدتها، فضٌّ لغشاء التنازلات التي تقدمها المرأة للعيش في مجتمع يضعها شغله الشاغل، بحجة الشرف.

ولا تتجاهل الشاعرة وسط كل هذا، أن تكتب عن الحب، وتيه القلب. فهنا نجد نصوصا على نهج المتمردين والمتمردات، فقصيدتها مشتعلة بالمعنى والنبض: ”أحلم بالخروج عن النّص، باختراع جمل لم يقلها السكريبت“.

وتصاغ القصائد من قبل الشاعرة بلغة سهلة وخطابية شعبوية شديدة القرب من البسطاء، ومكتنزة بالمعنى والإيحاء، بحيث تلامس العقول وتستفز فيها التغيير.

كما تركز غيث على الثيمة الإيقاعية المتقنة في جملها، مراعية التوقفات والتنقلات بين الفقرات الشعرية، ما يعطي للنص موسيقاه البديعة.

وتهتم الشاعرة كذلك بتوسيع رقعة الخطاب، من خلال التنوع في طريقة طرح الخطاب، باعتمادها على ضمائر مختلفة كالأنا، والغائب الفردي، وكذلك ضمير الغائب عن المجموع، في ديوان يجمع 43 قصيدة، تمتد على 128 صفحة من القطع المتوسط. وقد عبرت غيث بشكل تلميحي عن التعب المتراكم للنساء، بإهدائها الديوان إلى الشقوق التي أحدثها الزمن في قدمي أمها.

وتمارس القصيدة عند غيث طبيعتها الناقدة للواقع الاجتماعي العربي، حاملة رسائل مختلفة، كأداة للانقلاب على النمط المهيمن، بهدف انتزاع الحريات والإرادة المسلوبة للفتاة العربية، وكذلك تفتح الجملة الشعرية لديها الباب على مآسي الفقراء والمهمشين في النظام الاجتماعي العربي.

الفقد

عند أماني غيث ما يسترجع القداسة للإنسانية، بالعيش للغير كما للنفس، وتمرير الحب والاهتمام بالآخر، قبل أن يرقد في حفرته، قبل أن يبتلعه الغياب. عن هذا تكتب، بنبرة الحسرة، في نص ”الغياب، جنة الموتى“ مطالبة بأن يكون الاهتمام بالمرء سابقا لغيابه، لا لاحقا:

”أنتم تفضلون الموتى

تحتفظون بصورهم وتدللونها

تضعون ذكرياتكم الجميلة معهم

على أعلى رف أفكاركم

تؤلهون أسماءهم

حكاياتهم

ماضيهم

هم يصبحون أصدقاءكم فجأة

هم يصبحون أبطالا فجأة

أنتم تنسون مساوئهم فجأة

تزورونهم من وقت

تقدمون لهم الهدايا التي لم يعودوا بحاجة إليها….

…..

قلت لكم أكثر من مرة

إني أموت

لكنّكم لم تكترثوا لذلك

لم تعيروا روحي اهتمامكم

لكنّي ما رأيت محبا

متُّ كثيرا لكني ما رأيت محبتكم

وما شممت الزهور

ولا البخور

ولا زرتموني

أنتم لا تصدقون سوى الغياب“.

شجرة العائلة

وتعبر الشاعرة بطريقة تراجيدية عن تفكك العقد الاجتماعي، إذ تأتي بمشهدية العنصر الذابل المهترئ، بعد الخضار والملاوة مسبقا، لتدلل على انحدار فكرة ”شجرة العائلة“ في المجتمع العربي، إلى أسفل الجبل.

تكتب أماني غيث:

”سقطت شجرة العائلة

لم يبق منها سوى جذع أسود

ينخره الحقد

تنخره الوحدة.

أخاف على البيوت حين تكبر

حين يزداد عدد جدرانها وأشيائها

أخاف على العائلات

حين يمتلئ ألبومها بابتسامات

جديدة وماكرة“.

دم لا يبرد

فيما تصف الشاعرة، بطابع هزلي، مجمل ما يعيشه المواطن العربي المسحوق، تحت خطى الاقتتال والخوف والفقر، والصراعات السياسية والاقتصادية.

كما تستنكر عمل المؤسسات الدولية البليد مع الأحداث، ورَدة الفعل الباردة أمام دم لا يبرد أبدا. فتكتب غيث في هذا:

”اِخترع لي بلادا

لا يتقاتلون فيها،

بلادا لا تعرض ضحكة أطفالها

للبيع،

في مجالس الأمم ولجان حقوق الطفل.

 

بلادا لا تطحن الآباء

تحت عجلة التعب والحياة

ولا تمنحهم

علبة ثقاب مدونا عليها:

احرق قلبك وأشعل نفسك.

بلادا لا تفرك فيها الأمهات الشوارع

بحزنها ودمها

بلادا لا ترمي المرضى والعجزة والوحيدين والمختلفين، والفقراء

من النوافذ“.

انتحار

ولا تتوقف الشاعرة عن الحشد والتحفيز، في صالح إنقاذ المرأة من القمع الاجتماعي داخل التابوه، الذي تنصاع له لقرون طويلة.

وتستخدم في ذلك تقطيعات سينمائية مصورة بالذهن، لتصنع نصا متماسكا، ومحملا بقضية محورية في حياة المرأة العربية. فتأتي غيث، بمشهد سوداوي قاتم، هو محصلة لتفاصيل وممارسات، يتم تمريرها على جسد المرأة ووعيها على مدار اللحظة، في المجتمع العربي. حيث تقول:

”انتحرت

نجحت أخيرا

في قتل نفسها

لم يلمحوا في سقفها مشنقة

لم يروا جثتها تهوي

من مكان

مرتفع

لم يجدوا علبة دوائها فارغة فجأة

ولم يخرج من فمها

سائل غريب

هم يعرفون أنها لا تملك مسدسا

وأن إصبعها لا يجيد الضغط على الزناد

هي قتلت بكاتم صوت

هي قتلت

بكاتم حلم

وكاتم قلب ومشاعر.

انتحرت

دون دم

ودون آثار

ودون صراخ

هي قتلت قلبها

في كل مرة

حزنت فيها

وتنازلت

وشكّت أهدافها كُرمَى لعيونهم

بسكاكين آرائهم“.

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك