ثقافة

"اختراع هوميروس" للمصري طارق هاشم.. تراجيديا نثرية بشكل سردي
تاريخ النشر: 13 مارس 2021 6:52 GMT
تاريخ التحديث: 13 مارس 2021 9:02 GMT

"اختراع هوميروس" للمصري طارق هاشم.. تراجيديا نثرية بشكل سردي

ينحاز ديوان "اختراع هوميروس" الصادر حديثا للشاعر المصري طارق هاشم، إلى السرد منذ البداية، لنلمح الخيط الدرامي في ثنايا القصائد. ويتكون الديوان من 28 قصيدة

+A -A
المصدر: مهند الحميدي – إرم نيوز

ينحاز ديوان ”اختراع هوميروس“ الصادر حديثا للشاعر المصري طارق هاشم، إلى السرد منذ البداية، لنلمح الخيط الدرامي في ثنايا القصائد.

ويتكون الديوان من 28 قصيدة نثرية، يتسم معظمها بالمشهدية، وتبرز الشخصيات والأبطال على مسرح النصوص، دون اتكاء على الغنائية المفرطة، وباعتماد النص على حدث افتراضي.

تجلي المشهدية

وفي قصيدة ”في حضن ابن رشد“ تتجلى المشهدية بوضوح، من خلال تحديد زمان افتراضي ووصف مكان بعينه، والالتفات إلى لون الضحية فضلا عن لون الأوراق، وبما في اللونين من دلالات، في حدث يريد منه الشاعر أن يكون حاملا لهمّ النص ككل، وكأننا في مشهد سينمائي ترتقي فيه الكاميرا درجات البناية وصولا إلى الطابق الرابع، وتقتحم المكان بين الغرف إلى أن تصل إلى زاوية المكتبة وتأخذ لقطة مقربة من الرجل الممدد ثم لقطة ليديه كاشفة للمتلقي ما تضمهما.

يقول الشاعر: ”بالأمس/ اقتحموا شقته الصغيرة/ في الطابق الرابع/ وفي الزاوية القريبة من المكتبة/ وجدوه أزرق اللون/ يحتضن كومة من الورق الأصفر اليابس/ العاشق الصغير الذي ترك بلاده/ لأجل مخطوطة التهافت/ وجدوه مقتولا في حضن ابن رشد“.

وفي حديث خاص لـ“إرم نيوز“، قال هاشم: ”نحن نكتب لننجو من أعداء خفيين، قد يكونون سببا حقيقيا في عزلتنا فيما وراء الكتابة، الخوف مثلا هو العدو الأكبر للمبدع، أن تخاف هذا يعني نهايتك، فالإبداع لا ينبغي أن يُحاصَر بالخوف، لذا أرى دائما ضرورة إعلان الحرب على ذلك الخوف، محاربة الخوف وأشباحه ضرورة حتمية ليكتمل الإبداع“.

2021-03-طارق-هاشم-ت-1

قصيدة النثر

وعن سبب انحيازه لقصيدة النثر، قال هاشم: ”أنا أكتب قصيدة النثر، القصيدة الأقرب إلى روحي، لأنها ببساطة تساعدني على اكتشاف ذاتي، بتلك المساحة الهائلة من الحرية. أن تقول كل ما تريد دون تنميق أو تزويق، فقط الحقيقة خالية من أي صرير“.

ويقول الشاعر في قصيدة ”بعض الغناء“: ”أنا شارب العشق الذي لا تزول رائحته/ فلا تغضبي يا حبيبتي من كتاب قصيدة النثر/ لأنهم أصحابي/ أراهم في قوتي وفي ضعفي/ واعلمي/ أني حين أقول لك/ أنني لم ألتقهم/ أو أشرب معهم/ أو أحبهم هكذا ببساطتي/ أو أتآمر معهم للسخرية من الإيقاع/ حين أنكر كل هذا/ اعلمي جيدا/ أنني ساعتها/ سأكون الكاذب الوحيد/ في هذا العالم“.

التراجيديا

وتبرز في قصائد الديوان التراجيديا كمؤطِّر لهمّ جمعي، وتزخر بها غالبية النصوص. ففي قصيدة ”كرسول أنكرته قبيلته“ يقول: ”تذكرتك نعم/ وأنت تعبرين قلبي/ كرسول أنكرته قبيلته/ فارتد إلى الصحراء مهزوما/ الألوان جحدتك يا طفلتي/ فلا تجرحيني بالغياب/ فأنا بدونك دون يد/ دون ذراع تحفظ الريح/ فتردها عن ظهرك/ حين يحل الشتاء“.

ويضيف في قصيدة ”الحياة مأساة كبيرة“: ”تسألني رفيقتي، لماذا لا تكتب إلا عن المآسي؟ فأقول لها/ إن الحياة مأساة كبيرة/ نسي واضعها أن يكتب النهاية/ أعد ملف الشخصيات/ ودرسها جيدا/ ثم أسند لكل ممثل دوره/ من يومها والكاميرا تدور/ دون توقف/ إلى هذه اللحظة/ يخرج البطل صباحا/ ولا يعود إلا حزينا“.

ويلجأ الشاعر في بعض قصائده إلى رموز التراث والميثولوجيا، مثل هوميروس وابن رشد، ويحملهم قضايا وجودية معاصرة.

يقول في القصيدة ذاتها: ”نعم، أنا سجين الإلياذة/ أوجدني هوميروس/ ولم يحدد لي دورا/ فأصبحت معلقا كالخطيئة/ فلا تغلقي المأساة حتى لا تخسريني“.

ويبرز في الديوان أيضا الاغتراب الذاتي والاجتماعي على الصعيد الفردي، في ظل خيبات تجسد انكسار الأحلام والرؤى والطاقات المتفجرة أمام واقع متسلط، ما يدل على ضياع المرء وغربته عن ذات نفسه، أو عن المجتمع الذي ينتمي إليه.

يقول الشاعر في قصيدة ”رجل لا أعرفه“: ”في المرأة/ رجل لا أعرفه/ لا تربطني به أي رابطة إنسانية/ فقط هناك شبح/ أطل برأسه/ على مدينة قاحلة“.

بساطة الطرح

وامتاز أسلوب الشاعر بالرشاقة والتنقل السريع بين الجمل مشبعا إياها بحوارت تطول أو تقصر وفقا للمعنى، ليصوغ القصيدة كحكاية خيالية مشبعة بالرمز.

يقول الشاعر في قصيدة ”دنيا“: ”كان الراعي يقاوم وحدته/ بالحديث مع أي قادم/ ذات مرة أوقفني/ وقال لي: -هل شاهدت دنيا؟ دنيا كانت هنا منذ قليل/ كانت تساعدني في إطعام خرافي الصغار/ ساعتها انطفأت روحي/ وغابت الأجوبة/ كان كثيرون من حارتنا/ يعرفون الراعي/ ومنهم من قال/ إنه شاهده قبل سنوات/ في أحياء أخرى يبكي/ ومنهم من أقسم/ أنه لم يتزوج أصلا“.

وعلى الرغم من تركيز الشاعر على ذكر مشاهير الأدب العالميين، إلا أنه يتجنب الاستشهاد بمقولات معقدة، متحريا بساطة الطرح وملامسة هموم الواقع المعاصر والابتعاد عن القوالب النمطية.

يقول في قصيدة ”هو فقط لا يحب البطالة“: ”في عام 1881 مات ديستوفسكي/ وراحت آنا جريجروفنا تذرع الأرض/ بحثا عن أثره/ كانت شاخصة إلى السماء: أين زوجي يا الله؟ هل وجد وظيفة لديكم؟ حين خرج من البيت تركني بدعوى/ البحث عن عمل“.

حضور رومانسي

ونشهد في الديوان لمحات رومانسية تتخذ من العشق حاميا من تردي الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية، فيقول في قصيدة ”في حضن ابن رشد“: ”أريدك يا ماريا/ كرعشة لا يزول سحرها/ كمخطوط قديم/ كبحر عكا الذي لا ينام/ كرقصة أقسمت ألا تنتهي إلا على جثث الغزاة/ أريدك يا ماريا/ كروح طليق/ كأسطورة نائمة على شفاه البحر الميت“.

ويتخذ الشاعر في ديوانه الأخير منحًى جديدا، يختلف عن أسلوبه في مؤلفاته السابقة، معتمدا على اللغة الفصحى، بعد أن أصدر مجموعة أعمال سابقة بالعامية المصرية.

2021-03-طارق-هاشم-ب

 

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك