ثقافة

مجموعة "مصابيح دبي" لهيثم العقيلي.. حكايات على جناح السرعة
تاريخ النشر: 10 فبراير 2021 10:06 GMT
تاريخ التحديث: 10 فبراير 2021 12:30 GMT

مجموعة "مصابيح دبي" لهيثم العقيلي.. حكايات على جناح السرعة

يركز القاص الأدرني هيثم العقيلي على وتيرة الحياة السريعة، وأثر ذلك على إحساس الإنسان بالأشياء من حوله، في مجموعته القصصية "مصابيح دبي" الصادرة عن دار "الآن

+A -A
المصدر: حسام معروف - إرم نيوز

يركز القاص الأدرني هيثم العقيلي على وتيرة الحياة السريعة، وأثر ذلك على إحساس الإنسان بالأشياء من حوله، في مجموعته القصصية ”مصابيح دبي“ الصادرة عن دار ”الآن ناشرون وموزعون“ 2021.
ويوضح الكاتب في قصصه كيف يتكيف المرء مع ظروف محيطه، وكذلك ما تفرضه الجغرافيا على شخصيته، وما إلى ذلك من تقسيمات اجتماعية تتشكل مع الزمن.

وفي قصة ”مصابيح دبي“ التي تحمل عنوان الكتاب ككل، يقدم الكاتب وصفا دقيقا للحال في إمارة دبي الإماراتية، إذ يتطرق إلى نبرة الحياة السريعة التي يحياها الإنسان في هذا المكان، ويبين كيف أنه ملجأ لطموحات كل إنسان في تحقيق ذاته، وبناء طموحه، من كل بقاع الأرض. ويوضح العقيلي كيف أن هذه السرعة في وتيرة الحياة، تكون سببا في تأجيل مشاريع الارتباط والعلاقات العاطفية، وتكوين أسرة بكامل الخصوصية. ويعطي ترميزا بأن الطبيعة العملية الغالبة في دبي تكون عاملا في مرور السنين من عمر الإنسان، دون أن يلتفت لقلبه وعاطفته.
يكتب العقيلي في وصف دبي ”دبي لكل ساكنيها وليست لأي منهم، تتشكل وفق ما يطلبون لكن تعطيك ما تريد دون زيادة أو نقصان، فكأنها حب عذري يطفئ لوعة المشتاق إلى حين ببسمة أو غمزة لتؤجج الشوق من جديد. كرمال الصحراء عطشى للمطر، تستقبله بشوق، تبتلعه بسرعة وتقذفه من جديد سحبا لا تلبث أن تشتاق للأرض العطشى. لكل ساكن فيها خاصيته تعطيه ما يطلب وتضِنُ عليه بما تبقى. ما إن تسكنها حتى تصبح جزءا منك وتتغلغل بين ثنايا القلب“.

عقل منفصل

وتعالج قصة ”مفاهيم خاطئة“ الانطباعات التي يبنيها الإنسان عن المهمشين والمنسيين في الشوارع والأزقة، الذين يجدون قوت يومهم بالكاد. وكذلك يتناول العقيلي في سرده، الشخصية التي تعاني التنمر، وكيف أنها تستسلم للإيذاء الذي يمارس ضدها مع الوقت، إذ يعرج الكاتب في ذلك على تفسير علمي يميل إلى انفصال العقل عن الجسد، مع تكرار الغصب الذي يتعرض له الإنسان، كأن مازوخيته في هذه اللحظة هي ملجأه للتعايش مع الألم الناتج.
وتدور أحداثها حول شاب مهمش، نحيل البنية، يتعرض لاعتداء من قبل خارجين على القانون، ويستسلم بكل غرابة لتلقي اللكمات منهم، في ظل مرور مختص في الطب النفسي، الذي بدوره ينقل القصة لزملائه ومعلمه، ويبدأ الحوار العلمي والتحليل النفسي حول الأناس الذين يتكيفون مع الألم والمعاناة والاغتصاب، وتكون لحظة الصدمة في السرد حين يغيب الشب عن مكان عمله، ليكتشف الطبيب سامر أن هذا الشاب ويدعى قاسم، قد فارق الحياة في منزله.
يسرد الكاتب ”تختفي أصوات المعتدين والمعتدى عليهم، ويزداد بوضوح مشهد الاعتداء بتفاصيله الدقيقة، حتى تعابير الوجوه وحركات الأجسام، وكأنما سار الواعي في إناء مخروطي طويل بدأ بفوهة واسعة تستوعب المحيط إلى أن انتهت بفتحة ضيقة تحيط مشهد الاعتداء وشخوصه تماما، كمن يتابع فيلما سينمائيا بانجذاب غير متناه“.

كما ويكتب في ختام القصة ”صافح الرجل وغادر دون أن يركز هذه المرة في تفاصيل الشارع أو المهمشين المنتشرين أمام البيوت، مفكرا بأسى وشفقة في أنه ما أهمية أن تعرف عن هؤلاء المعدمين الذين يعيشون نكرات على هامش الدنيا، وقد لا يعرف الكثيرون أسماءهم إلا بعد أن يواريهم الثرى“.

2021-02-aan2

تقسيمات
ويسلط الكاتب الضوء على التقسيمات الاجتماعية بين الجماعات والأفراد، وما تصنعه الجغرافيا في ترسيخ تلك التقسيمات. إذ تحكي قصة ”شارع الرومان“ عن تلك الكيفية التي تسهم من خلالها الخلافات والتناحرات من أجل المال، في إنتاج طبقات بين أناس كانوا في الأصل جماعة واحدة. ويبين العقيلي كيف يتحكم المكان في سلوك الأفراد وينطبع في قناعاتهم، حين يضع حدا فاصلا بين تلك الجماعات متجسدا في ذلك الحد الطويل الذي يفصل بين التجمعات القائمة، متمثلا في شارع الرومان.
ويكتب في سياق القصة ”أهل المرتفع ينظرون باستعلاء لأهل الوادي والمنحدر، وهؤلاء بدورهم يمارسون طبقيتهم على أهل الوادي، وإن كانوا يشعرون بدونيتهم نسبة لأهل المرتفع، بل إنهم يتفاخرون على أهل الوادي بقربهم من أهل المرتفع“.

2021-02-download-5

مقارنات
أما في قصة“هوس فكري“ فيضع العقيلي مقارنات حية بين عدد من الشبان الأصدقاء الذين يختلفون في الاهتمامات الحياتية، وبالتالي في الصفات والميول، تجمعهم طاولة واحدة في مطعم، وتفرقهم أفكارهم. ويوصّف كيف يؤثر هوسهم الفكري بما يرتادونه في صنع تفاصيل يومهم، وتأملاتهم، فمنهم الرياضي، والكاتب، والمهتم بطموحه العلمي. تفصيلات كثيرة متناثرة في حياة كل شخص، لكن الحياة تكمل دورتها، شاغلة الجميع في واقع مليء بالمنغصات. ويركز الكاتب على التناقضات التي تمر بها الشخصيات مع الحالة السائدة في الحياة، فالهوس الفكري لكل شخصية يكون سببا في العزلة والشك وفقدان الثقة في الكثير من الحالات.

لغة العقيلي سردية نقية، مائلة لتوصيف مشاهد سينمائية للشخوص والأماكن المحيطة بهم، ما يعطي لقصته مساحة جذب مؤثرة، ومدخلا للانخراط بسلاسة في مجريات السرد. هذه اللغة الوصفية للحدث، وما يتبعها من تدخل لصوت القاص مع الكاتب في آن واحد، تسمح للعقيلي بأن يضع بعض القناعات الخاصة، بين ثنايا السرد، الذي جاء بطريقة ضمير الغائب. فيما، لم تكن الشخصيات حاملة أي غرابة، فالكاتب يعمد إلى الواقعية، ومجاراة الحدث اليومي العادي، لاستقدامه لطاولة الأدب، ومناقشة الظواهر الاجتماعية، بإكسابها النمط الفني، وتحليلها، ووضعها في إطار شخوص وقوس سردي، وانقلاب للأحداث، هذه القصص الممتدة على 64 صفحة من القطع المتوسط.

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك