ثقافة

"تنغيم سيرة الوردة" للشاعر العراقي صفاء إسكندر .. وجع الذبول الأخير
تاريخ النشر: 22 يوليو 2020 10:00 GMT
تاريخ التحديث: 22 يوليو 2020 12:15 GMT

"تنغيم سيرة الوردة" للشاعر العراقي صفاء إسكندر .. وجع الذبول الأخير

يستكشف الشاعر العراقي صفاء سالم إسكندر حالات الذبول للأشياء في الكون بكل ما فيه، ويستعرض ألم الإنسان حيال ذلك، في مجموعته الشعرية "تنغيم سيرة الوردة"، والصادرة

+A -A
المصدر: حسام معروف – إرم نيوز

يستكشف الشاعر العراقي صفاء سالم إسكندر حالات الذبول للأشياء في الكون بكل ما فيه، ويستعرض ألم الإنسان حيال ذلك، في مجموعته الشعرية ”تنغيم سيرة الوردة“، والصادرة عن دار سطور للنشر والتوزيع 2020.

يتناول الشاعر العراقي في قصائده، سيرة العالم الموجعة، القائمة على النهايات بأشكالها المختلفة. وأراد في مناطق مختلفة من قصائده القول: إذا كان ذبول الأشياء، يعني اقتراب التحلل والفناء، فإن البقاء يحمل وجعا من نوع مغاير. ويبقى الإنسان، والأشياء من حوله، حتى الكائنات الدقيقة، يحتلون مكانا ما، مكانا مؤقتا، حتى يضيء الزمن كشافاته، على قِطع متحللة لكائن سابق.

ويصوغ اسكندر الشعر بفلسفة داكنة، تميل إلى الواقعية في الطرح. وكأن الأحداث تمر أمام عينيه على شكل شريط، تحددت بدايته ونهايته. هو دوما، وكما يهتم بنهايات قصائده، يهتم بنهايات الأشرطة المعروضة أمامه، يلتقط منها ذبولها الأخير، والفكرة الحزينة المعلقة على كل شريط.

ولأن المرأة هي محور للأسئلة والتناقضات داخل ذات الشاعر، فإن الربط بينها وبين الكائنات في الطبيعة ، يفتح الممر نحو الشعر والجمال. وتلك الاحتمالات المربكة أمام الشاعر تتجلى بإيجاد تفسيرات لهذه العلاقة الفريدة للمرأة مع الطبيعة. يقول اسكندر في نص ”تفسير آخر للوردة“ :
”أنتِ تفسير آخر للوردة،
ثم ماذا؟
حلم يتكسر كلما اقتربت منه الطفولة،
يحتضر من كلمة،
ويود أن يموت الغيم من أغنية،
ليكن الرماد أهداب ما تبعثر من عروقك، هكذا رتب الأنين حضوره،
عارفا أن الخسارات موعد الصدى“

هذا المردود، من الخسارات المتكررة، يتشكل مثل حلقات حول الشاعر، ويكسب علاقته بالمرأة والوجود، الأنين الحاضر بكامل هيئته.

السائل

فيما يُسقط الشاعر العراقي قناعاته حول الثابت والمتحرك من حوله، فإنه يراقب كيف يُصنع السائل بدرجات متفاوتة من خلال الجمادات والأحياء. فكما يمدد الطين الماء فوقه ليصنع النهر والبحر، وكما تقطر الوردة الماء على الوريقات، يذرف الإنسان الماء على جسده. فتلك الأشياء تعبر أيضا عن شخصيتها، كما يفعل الإنسان تماما، يظهر السائل مع حالاته المختلفة من الحزن والفرح والنشوة والتعب. هكذا يأخذ اسكندر للشعر  هيئته، فيكون أحد مخرجات الحالات الشعورية ليس للإنسان فحسب، وإنما لكافة المخلوقات. يقول في تكملة النص: ”الشعر بكاء ذو نشوة، يتشابه والوردة“.

ويتقمص الشعر بطبيعته دور المترجم للحركات والاتجاهات بكافة الطرق، فما أن يمر شيء أمام مرآة، حتى يعلق في ذاكرتها، ولأن الذبول يحدث لكل شيء كما الوردة، تمتلئ هذه الذاكرة بالنقاط السوداء، هي التي نراها على سطح المرآة حين تهرم، ويكون مصير الأشياء المنفى. يكتب اسكندر في ذلك:“المرآة التي عكست الوردة، ظلت حزينة“ وفي جملة أخرى:“الذبول منفى الوردة الأبدي“.

وعلى ضفة أخرى، يمسك اسكندر إزميلا، ينحت حضور حبيبته، كما ينحت الهواء الوردة. هذه المقارنة بين جمالين، تكون الخسارة للشاعر، هي الصدى الذي يتردد في مخيلته، فيكون الشعر، وهل الشعر غير إعلان للخسارات؟ عن ذلك يكتب الشاعر، في نص الذي لا يمر في مخيلتك:“ والذي لا يمر في مخيلتكِ، أن الهواء يزاحم الوردة، على صورة حضورك، والكائنات تأخذ ألوانها منك، تخيلي شكل الغياب“.

غبار
ويستدرج الشاعر ذرات الغبار التي هي أصل جسد الإنسان، ومصيره النهائي، ليعبر عن فراغ معنوي يلاحقه، ويُشهِد على تكميم أنفاسه، جراء تكاثر الموتى من حوله.  الموت الذي يخشى أن يترك بقاياه هنا، فتعاقبه ذكرياته. ويعبر عن ذلك في نص“الألم أخذ معناي“:
”من يشهد على اختناقي بالغبار،
وفراغ وجودي،
يمنح الغرف خدمة أكثر.
الألم أخذ معناي،
وفي زاوية من حياتي، فقدت
تاريخ الغبار.
أخاف أن تغفو الذكريات،
أن يتيه بعضي عن موتي،
جسدي أبعد من أن يشار إليه،
والمرآة تجتاز انعكاسي فيها“.

وتتشكل اللغة العميقة في نص اسكندر، بتناولٍ غير متكلف للكلمات، تماما يبدو كبائع ورد، يصنع باقة في كل مرة، كما لو أنه ينقذ الكلمات من الذبول. ويؤنس وحدته بالشعر.
يكتب الشاعر في نص فراغات:
”منفي في اللغة، واللغة أكبر الخسارات“.
”نكبر مثل بالون،
نخاف من كل شيء حاد، مثل الأسنان،
لذا نحب الوحدة“.

مستطيلات
ولأنه يعلم أن الوسادة تحمل تاريخ الشخص، حركات جسده في النوم، وترسيبات وعيه في اليقظة، ولا وعيه في الحلم، فهو يصفها بنوافذ المستحيل، المستطيلات التي تبتلع جزءا كبيرا من وجودنا.
فيكتب في نص وسائد:
”تعبت
أن يظل سبيلي قدرا محكوما بالأماكن،
بينما الأحلام مركونة،
تراه،
من فسر لي في طفولتي،
أن الوسائد نوافذ المستحيل!“

وكان لابد من حضور الحرب في نص اسكندر، وتظهر في أواخر نصوصه، كما لو أنه أراد القول إن جميع قصائده التي تتحدث عن الذبول والانزواء، هي انعكاس لها. فيكتب عن الاختلاط  الغريب بين الخوف والشجاعة عند الأمهات في الحرب:“في المدن التي لا يعرف أهلها سوى الحرب، يتكئ الأطفال على خوف أمهاتهم الشجاع“.
ويتتبع الشاعر العراقي مشاهد الحياة اليومية، في ظل الحرب، وينقم على واقع يسقط فيه الإنسان مثل شعرة، لا يشعر أحد بموته الخفيف. فحين يختلط الدم بالخبز، أي أمنيات ننتظرها باستنشاق رائحة هذا الخليط!
فيقول اسكندر في نص“عمود فقري للجهات“:
”الذي كان يقف هناك على عجل،
ليقتل جوع أطفاله،
سقط مثل شعرة،
ليته لم يقتل جوع أطفاله ذاك اليوم،
رائحة الخبز
تكفي لأمنيات الغد،
هل رائحة الخبز تكفي لأمنيات الغد يا الله؟“

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك