"الديكاميرون" للإيطالي جيوفاني بوكاشيو.. كيف تتغلب على الوباء بـ "نزوة القص المباركة"؟‎

"الديكاميرون" للإيطالي جيوفاني بوكا...

#إرم_نيوز

المصدر: إبراهيم حاج عبدي - إرم نيوز

فرض فيروس ”كورونا“، غير المرئي، قوانينه الصارمة على البشرية جمعاء، وألغى تقاليد كانت حتى وقت قريب من المسلمات، وحول العالم إلى ”قرية صغيرة“ تعيش في عزلة وقلق، وهو ما أدى بدوره إلى ظهور عادات جديدة تتمثل في مشاهدة الأفلام وقراءة الكتب والإبحار في وسائل التواصل الاجتماعي.

وإذا كان الكتاب هو ”خير جليس في الأنام“، حسب وصف المتنبي، فإن وباء كورونا قد أعاد لهذا الكتاب الورقي بعض الهيبة والحضور، بعد نحو ثلاثة عقود من هيمنة ”ثقافة الصورة“ التي حولت كل ما يجري في العالم إلى ”صورة على شاشة“.

ومع الاهتمام بالكتاب، بدأ البحث عن سرديات قديمة تحاكي الزمن المعاصر، ولعل أبرز كتاب يمكن نبشه من الأرشيف وإدراجه ضمن ”أدب الوباء“، هو كتاب ”الديكاميرون“ للإيطالي جيوفاني بوكاشيو (1313 – 1375) الذي ظهر قبل نحو سبعة عقود، وقام بترجمته كاملا المترجم الفلسطيني الراحل صالح علماني، وصدر عن دار المدى بدمشق في العام 2006، بعد عدة ترجمات سابقة مجتزأة لهذا الأثر الإيطالي الهام.

عاش مؤلف ”الديكاميرون“ في مدينة فلورنسا، وإذ اكتشف في نفسه موهبة ”القص المباركة“، وفق تعبير لغابرييل غارسيا ماركيز، راح ينمي اهتماماته الأدبية بالتردد على معلمي بلاط نابولي وعلمائه، وعكف على قراءة الأعمال الكلاسيكية في عصره، وكان مولعا بدراسة الأدب الإغريقي، فقرأ، بعد أن تعلم اليونانية، أعمال هوميروس وأوفيد وفرجيل وشيشرون، وربطته صداقة مع شاعر إيطاليا الكبير بترارك.

يسعى بوكاشيو في مؤلفه إلى البحث عن حيلة مبهجة تبدد محنة الوباء الفظيع الذي عصف بأوروبا قبيل انتصاف القرن الرابع عشر وأودى بحياة الملايين، إذ ينطلق من هذه الواقعة المأساوية التي لم تنجُ منها مدينته فلورنسا ليعثر على التقنية الفنية التي ينهض عليها ”الديكاميرون“.

يسهب الكاتب في مقدمته في وصف مشاهد الموت اليومي الذي كان يحصد الأرواح بشراهة بلا مقدمات في شوارع مدينة فلورنسا، وغيرها من المدن الأوروبية، وعبر حيلة أدبية ماكرة، يحث بوكاشيو أبطال قصصه، وهم سبع سيدات شابات وثلاثة شبان، على الهرب من الحجر الصحي، ومن شبح الموت المترصد بهم في كل زاوية ومنعطف، والذهاب للإقامة في المزارع الريفية، حيث ”يُسمع تغريد الطيور، وتُشاهد هضاب ومروج خضر، وتتماوج مثل البحر الحقول المترعة بالزرع الوفير“، كما يقول المؤلف.

وفي الريف وبعيدا عن ”الحياة التي تنفلت هاربة“، كما يقول بترارك، بدوره، في وصفه وباء الطاعون الذي قضى على محبوبته لورا، يتفتق ذهن أبطال العمل عن فكرة تحيلنا إلى ”ألف ليلة وليلة“، فمثلما أبعدت شهرزاد عن نفسها شبح الموت عبر رواية القصص التي كانت تتوالد بلا انتهاء، وتجبر شهريار على تأجيل العقاب، فإن هؤلاء الأشخاص أيضا يتفقون على قضاء الوقت في رواية القصص.

وعلى مدى عشرة أيام، تروى خلالها مئة قصة، تشكل القوام الرئيس لكتاب ”الديكاميرون“ (تعني الأيام العشرة)، والذي لا تقتصر مضامينه على موضوع معين، فالقصص تتشعب وتتشابك في صورة غنية، شديدة الثراء، وهكذا ”ينقضي الوقت بلا هموم بعيدا عن أجواء الكارثة العامة التي تسود المدينة.

ومع توالي القصص نبتعد أكثر فأكثر عن الوباء، وننسى مع الرواة اللحظة المأساوية، إذ نسمع تفاصيل ووقائع وأحداثا مسلية عبر قصص تنطوي على الحب والغرام والخديعة والغواية والإمتاع والسخرية واللوعة والحنين والشغف والفروسية والبخل والكرم والوفاء … وسوى ذلك من المواضيع التي تحكى بعيدا عن أعين الرقباء والفضوليين بغية الظفر بالعيش من دون قلق، والاستمتاع بـ“حديقة الملذات الدنيوية“ عن طريق رواية القصص.

وعلى الرغم من أن كل قصة مستقلة بذاتها، غير أن بوكاشيو يربط بينها بتعليق أو مقولة أو ملخص، فيشير في بداية كل قصة إلى تأثير القصة السابقة في السامعين، وهو يتدخل أحيانا، كي يدافع عن نفسه في مواجهة انتقادات مفترضة من بعض القراء بطريقة لا تخلو من التهكم والسخرية.

وتكشف مواضع القصص عن فطنة الرواة وحدة ذكائهم، وسنعثر على حكايات تبين كيف كانت حياة البورجوازيين وعاداتهم في القرن الرابع عشر، ومفهومهم للدين والمتدينين، وحكايات ساخرة حول الكهنة، وحكايات عن بشر تعرضوا لحوادث متنوعة قاسية وكيف تمكنوا بعد ذلك من بلوغ نهاية سعيدة، ونقرأ قصصا عن أولئك الذين انتهت غرامياتهم نهاية مأساوية، أو سعيدة، وقصصا عن كيفية الخلاص من العقاب بفضل جواب ذكي مختصر يعتمد سرعة البديهة، وقصصا أخرى تدور حول الجنس والوسائل التي تلجأ إليها النساء لخداع أزواجهن… وسوى ذلك من الحكايات التي تظهر فيها نماذج متنوعة من عشاق ولصوص وظرفاء وأثرياء وفنانين وبستانيين وفرسان، ومتسولين وغيرهم.

ورغم مرور سبعة قرون على صدور هذا الكتاب، غير أن قصصه لم تفقد بريقها، فهي تحوي خلاصة تجارب إنسانية، وتظهر ذلك الصراع المتواصل بين الخير والشر، وهي من زاوية أخرى تقدم بديلا مسليا عن كآبة الحجر الصحي وسطوة التدابير الاحترازية.

ويشير بعض النقاد إلى أن بوكاشيو جمع ولخص بصورة مدهشة، في هذه الأيام العشرة، قراءاته لكل أعمال العصور الوسطى التي استهوته منذ شبابه، والتي راحت تتلاشى مبشرة بعصر النهضة الذي عرف ثورة في مجال الكتابة والفنون والنحت، ولا مبالغة في القول إن بوكاشيو يعد واحدا من أوائل المبشرين بهذه النهضة الوليدة التي نقلت أوروبا من ظلام العصور الوسطى ومحاكم التفتيش إلى فضاءات الإبداع.

أصدر بوكاشيو الكثير من الأعمال، غير أن العمل الذي خلّد اسمه هو ”الديكاميرون“ الذي أسس لفن الرواية الحديثة، بحسب نقاد، وترك تأثيرا كبيرا في تقنيات القص لدى معظم كتاب القارة الأوروبية من بعده.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com