المجموعة الشعرية"استيقظت رجلا ميتا" للأمريكي جيم موريسون.. العالم دون أقنعة‎

المجموعة الشعرية"استيقظت رجلا ميتا"...

المصدر: حسام معروف - إرم نيوز

يفتح الشاعر والموسيقي الأمريكي جيم موريسون، نوافذ واسعة، كإطلالات تكشف طبيعة علاقة الإنسان بالعالم، في مجموعته الشعرية ”استيقظت رجلا ميتا“ الصادرة ترجمتها عن دار رواشن للنشر،2019، وبترجمة أنيقة من وعد العتيبي.

ويحاور الشاعر الأمريكي الحواس البشرية بلغة سلسة، وتركيبات معبرة، تلامس الوعي البشري، بأبعاد مختلفة. وتمثل قصائده محطات انطلاق نحو أماكن بعيدة، تزيد من خبرة الإنسان عن داخله، وتأخذه في رحلة تأملية، لاكتشاف نواقصه، وتعريف العالم بفلسفة مغايرة. ولأن القصيدة مسرح يعرض حركة الأشياء، من خلال مرايا لا نهائية، فإن الرؤية في قصائدة مويسون، تصبح بأعماق متزايدة كلما لامستها الحواس.

خليط القناعات

ويبدو الخليط المتغير للتكوين الإنساني هدفا رئيسيا عند موريسون، فهو يجعل من الماء، كآخر المحطات، محلولا تذوب فيه أفكار المرء، بحيث يلامس التغيير في قناعاته، وأفكاره الذائبة، هذا الخليط هو الوعي الجديد، الناتج عن حركة مستمرة في الطريق نحو الهدف. وبما أن الفهم، لا يتم دون إعمال الذهن في الحوادث، والمصادفات، فإن موريسون يطالب الإنسان بالحوار مع ذاته، لالتقاط العِبر. فيكتب في قصيدة ”على طريق البحيرة النائمة:“عليك أن تدرك الفرص التي تتعثر بها، في الطريق نحو البحيرة النائمة“.

أخذ مقاسات العالم

كما ويلمح موريسون إلى الخط الفاصل بين الإنسان كداخل، والطبيعة بكل ما فيها، خارج هذا الإطار. وما بين إرادة الطبيعة، وإرادة المرء، تثبت التغيرات المستمرة في كليهما، ولا تتم عملية التغيير هذه، دون ممارسة الذهن للتمارين، لأخذ مقاسات العالم الجديدة في كل مرة. يقول مورسيون:“ العالم في الخارج يريد الدخول، ليتمكن من قصف جلدك“. والجلد بما يمثله من حماية للجسد البشري، هو حدوده التي تفصله عن عالم ملامس، بكل مكوناته، وتصير هذه الخبرة التراكمية للجسد والحواس، تاريخا، يمثل هوية هذا الكائن.

عندما تتلف ساعة الأبد

ويتأمل موريسون حركة الواقع، في حالة حذف حسابات الزمن من المشهد. فمن غير المؤكد، من الذي يبحث عن الآخر ليكشف أسراره، العالم أم الإنسان. وهل هذا الإنسان جزء من الطبيعة، أم هو المراقب لحركتها الدائمة، ليتسنى له استنباط المعرفة، جراء تطورها. يكتب موريسون في قصيدة ”كونشرتو في الأرض الصغرى:“ الكون شرفة فسيحة، من مجرات متعددة، يصبح هكذا، عندما تتلف إلى الأبد ساعة الواقع البشري، عبر المسافات الطويلة المؤلمة، للرحلة المنفصلة نحو الأرض“.

دفء

وعن ذلك التناغم بين مكونات الطبيعة، يذهب الشاعر إلى توصيف حال الأرض، بعين موسيقية، ويوغل في تفكيك المكونات التي تشبه السحر، فيتوقف عند مشهد كوني، ليراقب طريقة عمله، ويفسر كيف يندمج الإنسان بمكوناته، ليحس بطاقة جديدة تنبت في جسده. فيقول: ”الأرض محاصرة بفضاء أوركسترالي، حيث يتدفق ضوء الشمس، يتكون على هيئة بقع شمسية، على حافة الأرض، فنشعر بالدفء“.

رقصة العقرب

وحول الحقيقة، يذهب موريسون إلى الجزء المخفي من الشيء، ليجد لغة حوار مع الآخر دون مواربة، ودون إخفاء. ويستنكر أن يكون الآخر يُصدّر قناعه على أنه الحقيقة، بينما هو الظلام، والمراوغة السيئة السمعة. فيسأل مستنكرا في قصيدته ”أنا ممتطي الليل“ :“ألا تريد رفع القناع؟ لقد أخفيت نفسي بعمق في رقصة العقرب، وأطلب منك إخفاء نفسك، لطالما لا زلت تملك هذه الفرصة، اهرب، ارفع القناع“. ولأن رقصة العقرب بداية لإغواء الطرف الآخر، فهي دلالة المراوغة السيئة، من أجل الحصول على مكسب من الآخر، فإن التوغل داخلها، بمثابة كشف كامل للمشهد، ووضوح دون أقنعة مزيفة.

وبما أن القناع هو أحد الإطارات التي تحد من شعور المرء بحريته، فإنه يكون مضللا، مانعا للحرية، وبما يسببه من إبهام، يؤخر من فهم الإنسان لذاته. يكتب موريسون في قصيدة ”أرتدي قناعا“:“أرتدي قناعا، لا عين تستطيع رؤيته،  لا حاجة لسؤالي، أرسلني إلى الحرية فقط، حررني“.

البطء

وفي منطقة أخرى، يثير مورسيون حاجة الإنسان إلى مواراة نقصه، وميله المستمر إلى الاكتمال، الذي يتحقق من خلال لمس الجزء الناقص منه في المرأة. تلك المشاعر التي تحرك الأنهار في عالمه، وتزيد من مساحة تواجده، فييدأ في البحث عن إيقاف الوقت، لتبقى حالة الاكتمال دون زوال، أو على الأقل، إبطاء الزمن، لتستمر الحالة تلك، أطول ما يكون، يكتب عن ذلك موريسون في قصيدة“الأعين الغريبة قليلا“:“خذي الأمر ببطء، على مهل خذيه، فأنا أملك كل شيء، حين يصبح الأمر أنا وأنت“.

خذلان لا ينتهي

ويعبّر موريسون في قصيدة ”استيقظت رجلا ميتا“ وهي عنوان مجوعته، عن حال البشر مع الخذلان، فتلك الثيمة التي تعمل من خلالها الحياة، هي اعتبار الإنسان مصبّا للكوارث، أو ”دائرة دارتس“ لا تتوقف عن استقبال السهام. يكتب الشاعر:“لا زلت الزمن المفضل لهذا العالم، وهو ينحني للأبد…. والصبي المجنون لا زال يسكن الفتاة الحزينة، وهذا لا ينتهي أبدا… استيقظت رجلا يسقط في السهل، استيقظت رجلا يتدحرج في المطر“.

مجموعة“استيقظت رجلا ميتا“، مساحة واسعة من التجريب، والغوص في التكوين البشري، ولحظات تشابك مع الكون، بهدف نسج علاقات جديدة، تتيح للإنسان فهما أكثر شمولية، له، وللعالم من حوله.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com