"شجر يتنزه" للمصرية خلود رضا.. الشعر يرقص بالعصا

"شجر يتنزه" للمصرية خلود رضا.. الشع...

المصدر: حسام معروف - إرم نيوز

تفند الشاعرة المصرية خلود رضا تفاصيل غائرة في الإنسان والطبيعة، والعلاقات الناشئة بينهما، في مجموعتها الشعرية الأولى: ”شجر يتنزه“ الصادرة عن دار رواشن للنشر والتوزيع 2019.

وتستكشف ”رضا“ في نصوص محاكة بلغة تميل إلى التجريدية، واكتناز الرموز داخلها، الخطأ والصواب في الداخل الإنساني، الجوف الذي غالبا لا يكترث وهو بآلاف الأحاسيس، لكن إحساسا وحيدا ذات مرة، يجعله يفيض. كما تبدأ رحلة تذكر للكيفية التي مثل إليها العقل حينما كانت تمتلكه الأشجار.

خيط فاصل

ولأن الشعر يتخذ موقفا تحليليا من العالم، تذهب رضا إلى المنطقة المخبئة من المادة، لتبحث عن تناقضات الإنسان بين الأسود والأبيض، اللونين الأكثر قطبية في الوجود، وتصف كيف يتأرجح المرء بينهما، وتعاد صياغته كل يوم، حين يمشي على الخيط الفاصل هنالك، عدا ذلك، يمضي بلا معنى. فما بين الأمل واليأس، يلعب الشِعر بعصاته، يتقافز، ليصنع الرمز، والمُمسك بالرمزية، لا يفارق مذاق الجمال.

تقول رضا:

”أدير ظهري لليل،

وأحيك أملا في النهار،

يمضي النهار فارغا،

إلا من اكتئابي،

ويستقبلني الليل بوجه ساخر،

وأنا في خجل أتكوم،

في أحضانه“.

تدويرة عجلات

ولأن الواضح يجعل من الظواهر شيئا عاديا، تتطرق ”رضا“ إلى من يمتلكون القدرة على التخفي، أولئك الذين يسمحون للأشياء بالمرور، ولا يكون انطباعهم عما يحدث سوى العفو، فلا مطبّات في الطرق التي يصنعونها، لا لافتات تعبر عما يدور في عمقهم.

فتكتب:

”المعنى الوحيد،

الذي يجعلني أقبل بكوني غير مرئية،

بأني متّ منذ سنوات،

ذات مرة،

كنت مستلقية في حديقة المنزل،

الذي أبنيه في خيالي،

قام حبيبي بدهس وجهي،

وهو في طريقه إلى منزل آخر.

الآن فقط غفرلت لهم،

لن يحاسبهم الله على قتل الفراغ.

ففي هذا التشريح الشعري للحياة، ينبت سؤالا لا يتوقف عن النمو: ماذا يفعل المرء في مقبرته المتنقلة؟ وفي سياق آخر، إن كان هنالك ردة فعل أخرى، غير البهتان، ما الذي يجب ان يشعر به، من فقد هويته، بعدما دهسته تدويرة عجلات عربة الآخر، في مروره!

مومياء

وعلى عكس ميكانيزم المُقدّس، الذي يستمد هيبته من الثبات، ولأن الشعر وحده أمام اللغة، هو من يحمل القدسية لا الكلمات المتغيرة، تسعى ”رضا“ إلى تحريك الساكن وتبديل مكان المعتاد، ربما كي تخلق فرصة للفوز بمكان آخر، ويكون المكان نفسه هو فرصة فوز للقادم إليه. وربما تريد كسر ”التابوه“ الرامز إلى فكرة الموت، وتصور آخر، قد تكون أرادت تكسير التركيبة الإنسانية، لإعادة التجميع من جديد.

وجاء في نصها:

”هذه الشجرة،

ذهبت للتنزه اليوم من دوني،

كنت أعتقد بأننا رفاق،

وهم آخر إلى قائمة خيباتي،

واسمي الذي فقدته،

لا أتذكر أين!

لم يعد يستخدم،

فنسيت وجوده“.

فهذا الجسد الموضوع على طاولة المختبر الشعري بلا اسم، مومياء صالحة لخلق الأسئلة الصعبة.

سر مخفي

وفي نص آخر تجعل ”رضا“ من المنزل أيضا بلا عنوان، ولو كانت تبادلية الصفة بين المنزل والإنسان، حينما يفقد كلاهما العناوين؛ فلنا ان نتخيل كيف يكون الإنسان نفسه منزلا، يمر عليه الآخرون، كلهم يعرفون عنوانه، يتداولونه بينهم مثل سر مخفي عنه!. فما يبنيه الشعر على جسر الذات الهشة، يتهدم مع أول لحظة بكاء.. لحظة تيه. تقول ”رضا“:“ أنْ أبني منزلا من الصمت بلا مقبض وعنوان“.

جلسة تحقيق

وفي منطقة أكثر اشتباكا مع الطبيعة، تقارن الشاعرة المصرية بين تجربة الشجر في الكون، وتجربة الإنسان، أيهما أكثر خبرة، أيهما أكثر ثقلا، وأي منهما اكتشف ذاته من خلال المتغيرات من حوله. فلو احتاج المرء ما يسند إليه، هل يلجأ إلى المادة التي تمنحه ظلا وراحة، أم إلى المادة التي تمنحه وعودا وآمالا؟ هنا ليس من مهمة الشعر أن يجيب على ذلك، الشعر يفتتح جلسة تحقيق لا أكثر. تكتب خلود رضا:

”لو كان لي أن اختار،

لاخترت الأخضر،

تجاربا أقل ثقلا،

ووجودا أكثر خفة“.

”بابا دوارا“

وعلى وتيرة اكتشاف ما خلف الأبواب، يصبح الخوف في فلك شعر ”رضا“ ممرا، لا يهم كم العتمة فيه، لا يهم سدّ آخره، لا يهم العبور إلى الطرف الآخر، لكنها التجربة، المعرفة التي تجعل من الإنسان بابا دوارا، كلما نظر أمامه وقت الحركة، وجد دوائر ومتاهات، وحينما يتوقف، يجد الجمادات والمتحركات من حوله، غير التي كانت في التوقف الأخير، هكذا تصنع الحياة من الإنسان مخزنا للصور، للانطباعات.

حفرة

وحينما تريد رضا للجرح أن يبقى مفتوحا، فإنها تريد بذلك فلسفة وضوح. الغطاء الجديد لن يكون بنفس طبيعة الغطاء المحيط، سيكون منبوذا، بلون آخر، وتركيبة أخرى. هي أرادت للجرح أن يبقى حفرة، تجربة لا تندمل، هوية جديدة للشخص ذاته، تثبت بأنه مر على إحدى الطرق، ولم يكتفِ بالوقوف على الهامش.

عزلة مع الأفكار

ولأنها تعلم إحداثيات الفكرة داخل العقل، وترهقها تغيرات النقاط التي تجسد الأفكار داخل ذهنها، تكتب ”رضا“:“لا تتركونا مع أفكارنا“. أي لا تلقونا في العزلة التي تفقدنا السمع، فلا ضخب أكبر من صخب فكرة مدوية، تسبح في ماء الرأس وحدها، التي قال عنها ميلان كونديرا ”كائن لا تحتمل خفته“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com