”بوسعي أن أقول“ للعماني لبيد العامري.. مجموعة شعرية ترصد التحول في الإنسان والطبيعة – إرم نيوز‬‎

”بوسعي أن أقول“ للعماني لبيد العامري.. مجموعة شعرية ترصد التحول في الإنسان والطبيعة

”بوسعي أن أقول“ للعماني لبيد العامري.. مجموعة شعرية ترصد التحول في الإنسان والطبيعة

المصدر: حسام معروف – إرم نيوز

يتتبع الشاعر العماني لبيد العامري لحظات التحول والتغير، في الطبيعة، والإنسان، ويتناول طبيعة العلاقة بينهما، في مجموعته الشعرية ”بوسعي أن أقول“ التي صدرت عن ”الآن ناشرون وموزعون“ 2020.

وينطلق العامري من مساحة لغوية واسعة في تصنيع قصيدته، والتقاطاته الشعرية مرتكزة على التأمل المكثف للمنظر، الصامت غالبًا أمامه، فتأملاته تأتي إما لتكمل الشكل أمامه، وأما لتصف لحظات تحولاته، وطبيعة صيرورته.

شرائح
ويميل الشاعر العماني إلى تقطيع شرائح الطبيعة كل على حدة، ليعيد لصقها من جديد بطبيعة شعرية جذابة. فالشمس، والبحر، والجبال، والريح، والبساتين، والآبار وغيرها، كلها لها أصوات شعرية حضرت في شعر العامري.
وفي الطريق إلى الشعر، يتلفت العامري كثيرًا، بالملاحظة الذكية، التي تصنع الفارق، وتقيم المفارقات مع الطبيعة، والحياة. كما ويتعثر، بالغصات المتشظية من حوله، تلك النقاط السوداء على الرداء الأبيض، التي هي صلب الشعر.

رائحة البخور
ولأن الشعر يقوم على المعرفة، يتبين من باقة العامري الشعرية، استغراقه وقتًا بديعًا مع طاغور وقصائده، وحكمة محمود غنيم، وإيقاعات موزارت، وجدارية محمود درويش، وشجرة الماغوط ومعزوفات شوبان، هذه الرموز، فاحت من شعره مثل رائحة بخور.

الوحدة والهاجس
وعن أحوال الإنسان في الحياة، تلك التقاطعات مع الداخل الإنساني، أو مع الغير، أو الطبيعة، يُلمح اختلاف الركن في كل مرة، الذي يتخذه العامري لمراقبة تغيرات الكون. ويكتب في قصيدة ”هاجس“:“ الجميع غارق في سباته، فيما أنت وحدك يفترسك الفراغ، فترشقه بحجارة أفكارك العبثية. إلا أنه ثمة هاجس يمارس طغيانه وكأننا ما زلنا نتصارع في بئر مظلم“.فلا يستفز الشاعر للكتابة إلا وِحدة، مع هاجس ضاغط على الأعصاب ليفجر ماءها. تلك الحالة التي وصّفها إيميل سيوران بالقول:“ نحن وحيدون في الحياة، لدرجة أننا يجب أن نسأل أنفسنا، ما إذا كان الموت من الوحدة ليس رمزًا لوجودنا البشري؟“.

العابرون
وفي مكان آخر يستعيد العامري خطى المارين على هذا العالم، يتتبع أثرها. كما لو أنه ينادي عليهم ليأتوا كجمع، أولئك من أطلق عليهم ”جيل“ فكتب في قصيدة ”أرواح عابقة“ :“دون شعور تجرهم ريح العدم، إلى اللازمان، واللامكان، وبأسف وحزن، أدفع الكأس نخبًا لجيل لا تزال روحه تعبق في مكان ما“. فمن يعبر للمكان الآخر، بعد ظهوره هنا، بأثره الثقيل، وبقايا صوته، ونظراته المتطايرة في الهواء، يتكثف وجوده مرة أخرى. يكتب في ذلك وديع سعادة :“العابرون سريعًا جميلون، لا يتركون ثقل ظل، ربما غبارًا قليلًا، سرعان ما يختفي. الأكثر جمالًا بيننا المتخلي عن حضوره، التارك فسحة نظيفة بشعور مقعده، جمالًا في الهواء بغياب صوته، صفاءً في التراب بمساحته غير المزروعة“.

النائي
ويعانق العامري المُهمل البعيد، المعزول بفعل التعود، وربما القصد، حينما يشق طريقًا يكلفه وجوده، ويقرنه باسمه، إلى جبل يقبع في المجهول، لكنه الشغف، يستحيل إلى فلسفة كينونته، فيكتب في قصيدة ”واثق الخطى“:“في منطقة جبلية نائية لا أثر فيها لحياة، يعبد له طريقًا باسمه ليسير عليه، وحده واثق الخطى، بعد حين تستحيل الجبال خمائل، وبساتين، إجلالًا له، بينما يتلاشى الضباب السديمي إزاء شمس بازغة“. فالمعرفة الفارقة تصنع من المناطق النائية، التي لا يرتادها الجميع.
ويحاور العامري بلغته الانسيابية لحظة الانقلاب، فما قبلها لا يشبه ما بعدها، هي مراحل يمر بها الإنسان في الكون، بما في ذلك الأشياء من حوله، فيكتب العامري في قصيدة ”نسغ عتيق“:“أخشاب خاوية وجافة، ذات نسغ عتيق، مكدسة إزاء بعضها، كما رهط، مُشّابه الأوصاف، في حين شرارة صغيرة تخدش قشرتها، فيندلع الحريق، .. إنه التطرّف!“.إنه تطرف جمالي في حال كان الضوء هو من يخدشه، ويؤثر فيه.

وبنفس طريقة المصنعية يجرب العامري في لحظة أخرى خطوات الشعر، فيكتب في قصيدة ”انبجاس“:“تحت التراب تتداخل الجذور على بعضها، كاضطراب عصبي، ولكن بلا شلك، ستنبجس في القريب من لجج الصراع والعتمة، شجرة وارفة الاخضرار، أو وردة عابقة الشذى“.

مسرح
وتتضح تأملية العامري، وانغماسه في ما يصدر عن الأجزاء المتنوعة أمامه، فيكتب في قصيدة ”مسرح“:“في مكان ما مظلم، وكأني في سينما لفيلم طالما انتظرته، أشاهد بلهفة وحب، هذا المسرح الكوني المغسول بأضواء النجوم، فيما تتراقص الأشجار على منصته بانسجام، كفرقة متمرسة، مع موسيقى الريح المنثالة في الفراغ كشلال“.

وكما لاحق العامري السائل في الطبيعة، يلاحق السائل الإنساني، فيوصف سائل العين حين يكتب في قصيدة ”دموع“ :“في أعماقنا ثمة دموع دفينة مخزنة، كمياه جوفية، تنفجر ينبوعًا متدفقًا، يخصب بأس الروح، إذا ما عصرتها يد القوة“. فكأنما يريد الشاعر أن يلفت النظر إلى النضج الذي تحدثه حرقة الدموع، بتطرقه للإخصاب وطريقة تلقيحه للحزن داخل الروح، فتكون النتيجة أن تتطهر النفس، وتصير أكثر إثمارا.

ومضات
وفي الومضات الشعرية آخر مجموعته، يكمل العامري تعمقه في طريقة سير السائل داخل الإنسان ويكتب عن ذلك:“ارتشف كوبك، ودعه يسيل في أحشائك، بغزارة، جارفًا معه نباتاتك الضارة“.هذا النهر الذي يطهر نفسه بنفسه، كما تفعل مصغرات كثيرة في الطبيعة، هذه التحولات يراقبها الشعر جيدا.
ويكمل العامري مع السوائل في لحظة أخرى، فاختلاف الموقع الجغرافي، مع ترابط الأجساد خيالًا بفعل اللهفة، والاشتياق، هذا الحزن يوصفه الشاعر بومضته:“ آهات ودموع المتألمين هناك تستحيل ريحًا ومطرًا هنا“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com