”كانتصار صغير للبرق والرعشة“ للسعودي علي عكور.. كيف يصطاد الشعر الأشياء؟ – إرم نيوز‬‎

”كانتصار صغير للبرق والرعشة“ للسعودي علي عكور.. كيف يصطاد الشعر الأشياء؟

”كانتصار صغير للبرق والرعشة“ للسعودي علي عكور.. كيف يصطاد الشعر الأشياء؟

المصدر: حسام معروف - إرم نيوز

قدم الشاعر السعودي علي عكور معاجمه الفنية الخاصة في رصد وتعريف الأشياء جامدة ومتحركة من حوله في مجموعته الشعرية ”كانتصار صغير للبرق والرعشة“، الصادرة عن دار أثر للنشر والتوزيع 2020.

ويتجلى في شعر عكور، الاعتناء برسم المشاهِد، فهو يعمد إلى تكوين تفاصيل الحدث الموضوع تحت مجهره، بدقة وتأن، تثيران الانتباه والتأمل، ولديه أدواته التي تجعل الشعر يصطاد الحركة الكونية، أيا كان نوعها وصفتها، من خلال لغة وصفية، وتحليلية، منسابة، يزيدها جمالا، قدرته على تكثيف تلك الحياكة الشعرية.

 

غابة ومتنزه

ويعزز علي عكور من التقاطاته المستوحاة من أصل الطبيعة، حيث البيت الواسع المفتوح، الغابة إن شاء، والمتنزه في مرة أخرى. متوجا غنائمه الفنية البديعة، بأسلوب قريب من الذهن، سهل أن تفتح أبوابه، لكنه عصي أن تحتضن معناه. فأسلوبه جلي دون تقعرات لغوية فيه، إنما العمق هو الأساس.

 

مختبر

وينشئ عكور في مجموعته الشعرية مختبرات فنية، للحيوان، والأشياء، بما يقدمه من تعريفات وفق فلسفته الخاصة في تركيب الأشياء، وتحريكها. فالكون لديه قطع مفككة، أجزاء متباعدة، يركبها، ويحركها كيفما شاء، ليقدم في كل قصيدة، مدخلا مغايرا لفهم الإنسان والطبيعة والحياة.

 

عبء المعنى

ويتناول الشاعر السعودي الصوت والفعل والأثر في سياق متجانس، في قصيدة ”وحشة“ فيكتب: ”كان اقتلاعا من الجذور أن ينصت الكرسي إلى طقطقة الحطب في المدفأة، ولا يرتعد!“. فيقتلع الشاعر من تربة العالم الفنية مشهدا مثيرا للتعجب، والدهشة. هذه المشهدية الجمالية تخفي في داخلها عبء المعنى، وثقله. فهي تشير إلى البلادة التي تنتاب المرء حين يفقد جدوى وجوده، بحيث لا يلتفت إلى احتراقه الداخلي، ولا إلى صوت وعيه. هذه حالة الوحشة التي يرسم عكور نقاطها، بجملته الشعرية، تنقلنا إلى أماكن مرهقة من التأويلات.

 

إصبع متفرد

ويذهب عكور إلى فلسفة الشكل الذي تمثله أصابع الإنسان، ويكتب في قصيدة تكوين: ”منذ لم تخلق ملتصقة، منذ خرجت من أصلها، مستقلة ومختلفة، منذ أخذت كل واحدة منها مسارها الخاص، ونمت -كنبات بري- في هدوء وطمأنينة، منذ تلك اللحظة، بدأت الأصابع عزفها المنفرد“. هنا في النص إحالة إلى تحليل الرسم، والوقوف على حواف الشكل، فالإصبع بحركته المحدودة، وشكله المتفرد، واختلافه عن البقية، هو نموذج للطريق المتفردة، والمغامرة المحسوبة الأطراف. وفي حال حققت مجموعة من الخلايا، داخل الجسد أو خارجه، هذا الاستقلال، فإنها بذلك تعزف لحنها الخاص. هذه هي الإرادة، تبدأ من خلية صغيرة، لتدب في فكر ووعي جماعات ترغب في تحقيق مصيرها، فلا يكون من بعد ذلك الشق المتفرد، إلا لحنا مختلفا عن كل من حوله.

 

صوت عجوز

وعلى النقيض يثير عكور جدلية التخبط وعدم القدرة على التكيف في نص ”الرجل الذي يرتبك“ فيقول: ”حكمته في الستين، روحه ما زالت هناك، بعيدة جدا، وعالقة في الثامنة من عمرها، وشهادة ميلاده وأوراقه الثبوتية، لا تشيران إلى هذه التفاصيل الدقيقة والمهمة، لذل هو يرتبك، فعندما يلعب مع الأطفال، يظل صامتا، يستخدم الإيماءات لئلا يحرجه صوته العجوز“. هي حكمة الستين، ذلك الصوت المحمل بالوعي، النشاز، بصفته الجمالية عن الأفكار المعلبة من حوله، التي يتداولها الكثير، لكنهم لا يلتفتون إلى انتهاء صلاحيتها.

 

أرجوحة

ويهتم الشاعر السعودي بإعادة تعريف الأشياء في معاجمه الشعرية، ما يؤدي لإثارة العقل، والخروج عن إطار المكرر. فيقدم رؤيته للأرجوحة بين الغد والأمس: إنها عربة الذكريات المختلطة، وهي من يصنع شخصية الإنسان. وعن الأم التي يصفها بالطاقة المتجددة، التي لولاها لتجمد العالم، وأفنته البرودة. أما بحة صوت الآباء في السبعين، فهي الغصة، نتذوقها في ضعف أصواتهم، كأنها ملح زائد، على الطعام، وعلى الأيام.

 

كدمات زرق

وفي ”تحديث للمعجم الطبي“ يسلك عكور طرقا صادمة في الوصف، للأشياء الخفية، فلمجرد ظهور لونها، يتمكن من صقلها بقالب آخر، تدخل أبواب عقل القارئ بشكل مغاير، يعلق بالذهن. حيث يكتب: ”الكدمات الزرق، بحيرة تحت الجلد، تبلع حجارتها بصمت“.

 

عائلة على شكل ظلال وأغصان

ويطرق عكور باب الحسرة في مفارقة شعورية نابعة من سيرة اعتيادية للطبيعة، وسيرة غير مقبولة من الإنسان. فعلى نفس القماشة البيضاء يجمع ما بين تشابك الظلال والأغصان للأشجار، وبين أصوات عائلة غابت بفعل غارة جوية في حرب ما. هنا يكتب: ”لا شك أن الأشجار القريبة من بعضها، التي تتشابك أغصانها وظلالها، لا بد أنها أصوات عائلة قضت إثر غارة جوية، ها هي تنبت الآن لتكمل حديثها الدافئ“.

عكور الذي حاكى بطء السلحفاة، وعيون السمكة الدائرية، ونظرة الحمامة، وكذلك نظرة الطفل إلى متجر الألعاب، والفراشات، وبدوره حث الوردة على الطيران، قبل أن تُقطف، وبيّن سبب تشظي مرايا البيت، وتحدث على لسان التابوت المخير إما بالبقاء فارغا، أو الامتلاء بميت، في قصائد مختلفة، فإنه يجمل ذلك كله بمشاعر الحزن في قصيدة ”غصة“ حين يكتب: ”أجرينا شقا في مجرى الهواء، وأخرجنا الكلمة حرفا حرفا، ثم تحت الشق أحدثنا ثقبا صغيرا، لتسيل بقايا الحبر والصوت، لكننا في آخر الأمر، فجعنا بالمعنى كيف نخرجه؟!“.

فما بالكم إذا كانت المعاني متعددة في قصيدة عكور، بل ومتجددة، فكم يكون الأمر شاقا؟.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com