الرجل الذي يتعقبه الظل.. الهاجري ومراياه اللانهائية‎ – إرم نيوز‬‎

الرجل الذي يتعقبه الظل.. الهاجري ومراياه اللانهائية‎

الرجل الذي يتعقبه الظل.. الهاجري ومراياه اللانهائية‎

المصدر: حسام معروف - إرم نيوز

يتعمق الكاتب السعودي مبارك الهاجري في الداخل الإنساني، كاشفا عن جوانب متعددة من هواجس وأسئلة، حول ما يراه الإنسان وحده دون غيره، بدافع الوهم والخوف، وذلك  في مجموعته القصصية ”الرجل الذي يتعقبه الظل“، الصادرة عن دار أثر للنشر والتوزيع 2018.

واتبع الهاجري طريقة  في نسج الحدث، تُورد أزمة للطرف الآخر على دفة الورق، فالنص يأتي محملا بتلك الأدوات التي تسحب باتجاه السياق: ذلك السلك الرفيع الذي يمضي عليه لاعب خفة، وفي كل خطوة يلهث، في لعبة توازن مع الزمن والمكان، كي يتجنب السقوط.

صوت خاص

وتسترق لغة الهاجري المائلة للتلغيز، كل ما يمكن للمرء من بذله للانتباه، وتثبت بأن هناك عالما داخليا على غرار العالم الواقعي، هو الأكثر عمقا، وتحيزا للإنسان، فيلعب الهاجري لعبة المرايا اللانهائية مع شخصياته، مرايا يرسم عليها الغياب، والقلق، والحلم، والوهم، والظل، والزمن أيضا، كل هذه الحُفر، يتقن الهاجري حفرها في درب القراءة، لتبدو جُمَلُه لها صوتها الخاص.

واقع وخيال

ويظهر عمد الهاجري إلى المزج بين بيئته، ومراسي الخيال الغرائبية في نصه، فأحداث القصص غير منسلخة عن واقعه، تحمله من جدليات اجتماعية، حول الجن، وطرق الرقية، والمحسوبية في العمل، وتطفل المجتمع على خصوصية الفرد، بينما يتحقق مستوى عال من التحليق مع فلسفة الكاتب الخاصة.

قلق

وعلى طريقة دخول نفق طويل، يأخذنا الهاجري مع قصة ”غياب بوهيمي“ محققا ما يتطلبه الحدث من لهفة لمعرفة السر الذي يدفع إنسان ليغيب عن بيته، ويترك عائلته، دون إبداء سبب. هو الأمر الذي سبق لأبيه أن فعله، برحلة اللا عودة للحياة، وتثير ألغاز الهاجري في هذه القصة وقصص أخرى، ريبة، لا تنتهي حتى بعد فراغ النص بأكلمه، يكتب الهاجري: ”ما الوقت الذي أحتاجه فيما بعد لأقلق من عدم عودة أحد يهمني أمره؟ سنة، اثنتان، ثلاث، عشر، أم إلى الأبد؟“. وكأن الهاجري أراد أن يحمّل القارئ سكين القلق في هذه القصة، التي ينفك غموضها برسمه النهاية.

احتباس

وتعكس مرايا الهاجري لغزا من صنف آخر في قصة ”نُصُب الشاعر“، ففي مرحلة ما يحس الإنسان بأن آخر يتم استنساخه منه، ليكون مكملا لمسيرته في الحياة، وهنا يخصص الهاجري هذا الحدث التقمصي لدى الشاعر، حين تنحبس عنه مياه الشعر، ويتوه في غرفه الداكنة لا يمسك بأي جدار يرتكز عليه. فكما يقول الفرزدق:“ تمر فترات على الشاعر أهون له فيها أن يخلع ضرسه، على أن يقول بيتا واحدا من الشعر“، هي فكرة البعث تتجدد في نص الهاجري، فالشاعر لا يموت طالما أن نصوصه هنا، وتبقى قصيدته تُنتجه من جديد.

سلة الوعي

بينما يفتح الهاجري بئرا من الوساوس في قصة: ”الرجل الذي يتعقبه الظل“ وهو عنوان واسع يتعهد باشتمال كل معارك المجموعة الداخلية مع الإنسان، وفي هذه القصة تحديدا يظهر صراع الإنسان مع قناعاته، مع سلة وعيه، فصيغة الوهم لا تأتي بطلقات نارية، ولا تُطلقها،  إنها جزئيات صغيرة بالكاد تظهر، حتى غير قادرة على إكمال ذاتها، لكنها تقتل الإنسان، هذا ما يجسده بطل هذه القصة مع الظل الذي يتحرك ويثبت على الجدران، وكذلك صوت الطفل الذي يعلو وينخفض تبعا لحماسة الموقف، فقط هو من يعرف هذا، هو من يسمعه، والعالم  كله أصم أبكم مع هذا الحدث، إنه عرض تسلسلي مُعدّ خصيصا لبطل هذه القصة، فقط لأنه فقد امرأة ما، كان يرغب في الزواج منها، حيث يكتب الهاجري: ”حين اقترب من الباب ليخرج، لمح ظله على الجدار المقابل للمصباح المضاء، لكنه حين خرج من الغرفة فعليا، بقي الظل مكانه“.

أبيض

وفي قصة ”كائن نهاري“ ينشط الحس الاستغرابي من الحدث، فعملية حذف جزء من الوقت بالتناوب، مرة بعد مرة، بحيث يبقى النهار الأبدي عالما بلا ليل، لتصير شخصية الهاجري المبتكرة هنا، بمساحات ممتددة من الأبيض، فيكتب: ”الضوء الذي في داخلي أصبح مرئيا تتحسسه الطرقات وتصد عنه أعمدة الإنارة، وتخذله الأرصفة، الحديث الذي كنت ألوكه كثيرا، انحصر في ابتسامة صافية، لا أشعر بجهد فعلها“. هي رغبة مستحيلة التحقق لكنها إن زرعت في إنسان ما، يكون إما يرغب في الاستغراق في غربته، وإما فقد القدرة على جمع طرفي الزمن.

الحظ

ويتشكل شيء آخر غير الإنسان في حال علق المرء مع هلامية الحظ، فالشخصية في قصة الهاجري هنا  تحمل الخيبات المتنوعة، والاعتقاد الذي التئم ليشكل عقدة في حياة الشخصية، ترمي به الخطوات إلى مشفى الأمراض العقلية، ليفك نفسه من هذا الربط الأقرب للسجن، فيجد نفسه أمام لكمة أخرى من الحظ، فيسرد حياته لشخص غير الطبيب المختص، فكان يجلس على الجانب الآخر من المكتب، مريض انفصام هارب من الغرفة المجاورة.

إن ما يجعل أسلوب الكاتب يخترق حواس القارئ هو الذكاء في الصنعة، هي صنعة اللغة المتفلتة كالماء، ما إن تم سكبها بوعي، تحولت لنهر من الجمال. وفي أسلوب الهاجري ذلك النهر السردي الذي نجري فيه مرة، لنخرج بصفات أخرى. وفي ”الرجل الذي يتعقبه الظل“ يتضح ميل الهاجري إلى تقليص الحوارات بيت شخصياته، كما لو أنها غير موجودة. فالضمير الغائب الذي يعتمد شد قوسه على أجساد الكلمات، يكمل خطته الملغومة بالغموض والتراكيب الحسية المعقدة، دوما كان حس الهاجري بحاجة إلى تفكيك.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com