”شيء من هذا الغبار“ لعاطف عبد العزيز… استعادة الجدل حول قصيدة النثر – إرم نيوز‬‎

”شيء من هذا الغبار“ لعاطف عبد العزيز… استعادة الجدل حول قصيدة النثر

”شيء من هذا الغبار“ لعاطف عبد العزيز… استعادة الجدل حول قصيدة النثر

المصدر: حسام معروف - إرم نيوز

في مجموعته الشعرية ”شيء من هذا الغبار“، الصادرة عن منشورات المتوسط 2019. يطرح الشاعر المصري عاطف عبدالعزيز العديد من التحولات الواقعية في المجتمع العربي، وفقا لمنظوره تجاه الحدث اليومي ومعايشته.

ويعبر الشاعر المصري في مجموعته الشعرية عن يوميات وتفاصيل هاربة من الذهن، قد لا تخطر ببال الشخص العادي. ولأن مهمة الشاعر هي التقاط الأشياء الدقيقة، فهو يعبر أماكن متطرفة في التناول، وغريبة في التمثيل. وتبرق استثناءات عبدالعزيز المتسمة بالجرأة، نظرًا لتجاهل المجتمع الحديث فيها، أو التطرق لها.

سرد دون تكثيف

وإذا كان من أهم إشكاليات الشعر هو مسح الغبار عن الملامح المطموسة، فلا شك أن ”شيئا من هذا الغبار“ فيها من غرابة الأفكار ما يؤهل ذلك السرد ليكون شعرا.

لكن في الكثير من المواطن يستطرد الشاعر المصري في السرد الذي هو مقبول في قصيدة النثر لكن بين جملتين مكثفتين، أي تحملان الاستعارة والجزالة اللغوية.

حكائية

وتطغى لغة السرد على الجمال الشعري في الكثير من نصوص عبدالعزيز، وتقلل من قيمة الجملة الشعرية، كما يميل الشاعر إلى لغة حكائية بحتة، في نصوص عديدة مثل نص ”أناهيد“ حيث يقول: ”كانت الفتاة تستند إلى حائط في ردهة ضعيفة الضوء/يعبرها فنيون متعجلون/ظنت أن العالم الذي تركته مقلوبا في قاعة البروفات لن ينعدل له حال/ بينما كنت واثقا بأن المايسترو الغاضب عاد إلى مزاجه الحسن/ وربما بدأ في معابثة العازفات“. هي جمل سردية متوالية، لا جملة شاعرية بينها تدخلها في طرق الشعر اللزجة. ويتكرر هذا السياق من السرد في الكثير من المواطن لنصوص عبدالعزيز.

كما يعمد في قصيدة “ أناهيد“ إلى البوح إلى الطرف الآخر بشكل قصصي، عن خيبات الأيام، وصديقه الذي انتحر بعد موت حبيبته بالسرطان، ويختتم بطيران الفراشة ”أناهيد“ لتصنع المزاج للمكان. وقد كرر نفس السياق القصصي في نص ”قطة في المدافن“.

واقعية

وتحفل نصوص عبدالعزيز بالميكانيزم الواقعي في الطرح، فالموضوعات أقرب ما تكون إلى حياة الإنسان البسيط، فيكتب عن التقدم في العمر، إلى الحد الذي يجعله يخشى النظر في المرآة لرؤية وجهه، فيقول: ”خفت أن أحملق في المرآة، فأسقط في بئرها المهجورة“.

ويخاطب الشاعر المصري الصحبة القديمة، بعد عوامل التعرية من الزمن على جسديهما، وينادي صاحبه: يا أخا يأسي. ويقول له: ”تجيئني صرختك من خلف الجنود، مثل رسالة أكبر من بريدي“.

نقل مباشر

وفي قصيدة ”قطة في المدافن يقول: ”الغرباء يا ولدي مروا من هنا/ لم يكتفوا بقتل العائلة/ ولا برفع الدجاج المنزلي إلى العربة/ بل تناوبوا في حشر أعضائهم في شق فتاتك الصغيرة/ ولم ينسوا أن يطفئوا فيه السجائر“. فيريد عبدالعزيز أن يضيء على هذه البشاعة في الواقع بصور واضحة المدلول، وغير موغلة في العمق التركيبي، ما يجعلها أقرب للقصة القصيرة.

قصيدة نثر

وتواجدت في قصيدة ”تلك الأصوات“ كافة المعايير المتطلبة لصنع قصيدة نثر، من حيث التراكيب اللغوية، والتلميحية البعيدة الأثر، وكثافة اللغة، والنهاية الصادمة، الممتلئة بالإدهاش. فيكتب: ”هذا الطنين من مطر البارحة/ كيف بمقدوري الإجابة عن سؤال الفتى قبل وصولي/ أو الوفاء بمواعيد ضربت في غيبتي/ بل أصبح من العادي أن يتراكم في أذني الكثير من العبارات الغامضة/ تلك التي بتُّ أحار كثيرا في فرزها/ وردّها لأصحابها/ المعضلة الآن تكون في قلبي/ هذا الذي أصبح معرّضا تحت تلك الفوضى للتورط في أشواق لا تخصه/ أو الانشغال بحبيبات آخرين“.

ويظهر كم الالتفاف اللغوي حول النص، وغياب الثرثرة اللغوية، والتناسق بين تراكيب الجمل. ويختتم عبدالعزيز هذا النص بِكَف لغوي فيقول: ”كتب عليّ أن أكون أغيارا عديدين يتناوبونني/ أنا الآن كثير جدا/بقلب واحد“.

ويتضح في هذا النص التعمق في البعد الذاتي الإنساني، واللهاث الكامن في التغير المستمر وسط قناعات متواترة تملأ الفراغ من حول الإنسان، وفي داخله.

سأم القاهرة

ويختتم الشاعر المصري مجموعته المتكونة من 21 نصا، وموزعة على 80 صفحة من القطع المتوسط، بنص بعنوان ”سأم القاهرة“، وفيه محاكاة صريحة لنص“سأم باريس“ للكاتب بودلير.

ويتناول في هذا النص المقطع إلى فقرات حول مواقف من صلب مدينة القاهرة، وكأنه نقد بعدسات ميكروسكوبه الأدبي، فيقول: ”كانت المرأة على ما يبدو تضع عطرا باريسيا، من ذلك الصنف الذي يعطيك شعورا فوريا بأن العالم رحب على عكس ما تظن، وأن الأخلاق مسألة نسبية“. وهنا إحالة إلى الكثير من المواقف في الحياة التي تتغير فيها قناعات الإنسان وتتحول إلى ”يويو“ متقافز، كنتيجة للتأثر حيال رغبة ما.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com