”انشطار الطير“.. الحقيقة والخرافة والإنسان للكاتب المصري أحمد عبد العاطي – إرم نيوز‬‎

”انشطار الطير“.. الحقيقة والخرافة والإنسان للكاتب المصري أحمد عبد العاطي

”انشطار الطير“.. الحقيقة والخرافة والإنسان للكاتب المصري أحمد عبد العاطي

المصدر: حسام معروف-إرم نيوز 

يؤسس الكاتب المصري أحمد عبد العاطي للعديد من المفارقات الذهنية حول الحقيقة في مجموعته القصصية ”انشطار الطير“ المنشورة بوساطة دار اكتب للنشر والتوزيع 2018.

وتركز المجموعة القصصية على العديد من التناقضات المتعلقة بالفكر الإنساني تجاه الأحداث، وكيفية انتقال المرء من عتبة لأخرى في الوعي، صانعًا هوية تشتمل على رؤية أكثر شمولًا للحياة من حوله.

المركز

ويتضح من طرح عبد العاطي مدى تعمقه في الذات البشرية، وصولًا إلى مركزية في وصف المشاعر، بتفاعل يضع الأشياء على منصة التحليل، ويقدم القناعات الإنسانية كما لو أنها معرضة للضوء الذي يثير الأسئلة حولها، ويفصّل خباياها.

ففي المجموعة المتكونة من 18 قصة قصيرة، ما يلفت الانتباه إلى امتلاك الكاتب مساحة معرفية واسعة، وعلى الرغم من أنها أول تجاربه مع النشر، إلا أنه يقدم مسرحًا للشخصيات الغريبة في التشكيل والتوجهات، تؤكد على امتلاكه قدرة في تقنيات السرد القصصي، ومهارات لغوية مثيرة.

ويعتمد القاص المصري على الأفكار غير الاعتيادية في بناء قصته، حتى تلك القصص التي يستلهمها من التراث الديني، فإنه يضعها في قالب شيّق، ومقترن بالغموض، كما فعل في قصة النبي إبراهيم في رحلة اكتشافه للحقيقة مع الخالق.

أسوَد

ومن المنطقة المظلمة ينطلق عبد العاطي، حيث  الرؤية تكون أكثر وضوحًا، وربما أكثر حيادية في وصف المشهد.

ففي قصة ”العمى“ يقارن بين الوعي المُعرّض للحلم فقط، والآخر الملم بكافة الأطياف، بحيث يشتمل على مساحة الظلام أيضًا، فاللون الأسود يصلح ليكون سبورة، ما يكتب عليها يبدو أكثر ظهورًا.

فيكتب عبد العاطي: ”العمى هو أجلّ الأحداث، يحيل ارتعاشة الجفون إلى دقات ساعات رتيبة، ويتيح للمرء اختبار الموت والحياة في جسد واحد“.

ويلاحظ اعتماد الكاتب على موت الزمن في قصته، وهو أكثر ما يكون خفيًا في حياة الإنسان، لكنه الأشد حضورًا.

كما يتناول فكرة السواد في قصة ”روح النجوم“ ويربط قدرة الإنسان على تفسير ذاته، بالظلام، كفعل فيزيائي.

ويحيلنا عبد العاطي بخياله الخصب، إلى مساحة تأمل شيقة، حينما يجسد النجوم كحافظة أسرار البشر، وذكرياتهم، فيقول: ”لو سمح الليل بإزاحة بعض الغشاوة عن ماضيه، والبوح الصريح للنجوم، لانفجرت أطنان من الصور واللقطات المارقة في عقله، عن الرجال الذين سمعهم يشمئزون من خيبة المحبين“.

كما يضرب بكاميرات الإنسان حافة الحائط، حين يتحدث عن عين الإنسان كراصد، وما يعود على الآخر من تقييد لحريته.

جذع نخلة

ولأن صيغة البحث عن الحقيقة هي مثار اهتمام الكاتب، فإن عبد العاطي يطرح أسئلة حول الوجود الإنساني على الأرض، من خلال إعادة تمثيل الإرث الديني، ويَعبُر بقصة ”عصا موسى“ إلى تفاصيل الصراع بين الخرافة والحقيقة، وهو بسرده لا يريد أن يطرح رؤيته الخاصة للحقيقة، لكنه يهز جذع النخلة، فتتساقط الأفكار على القارئ، فهو حين يضع الخرافة في قالب جسدي، يقدمها للموت دون أن يقرر ذلك، لكنها طبيعة الموجودات.

 بينما ينأى بالحقيقة عن الموت، التي مهما توارت، فستعاود الظهور أخيرًا، وعن الروح التي تدب في العصا، فإن عبد العاطي يعطيها القدرة على التهام كل وهم يتداوله الناس.

موزارت

ويعرّج القاص المصري على قدرة الخالق في صياغة الأشياء، بلغة تنقلك إلى لحظة بدء العالم، فهو ينسب كل شيء جميل إلى الله، عندما يعيد للذاكرة ألحان ”موزارت“ في قصة ”روثيكا والمندولين“، فالخالق الموجِد للفن، يمكن استشعاره في كل صورة فنية تأخذ الإنسان إلى الداخل، متأملًا مكعبات الجمال.

ويبرر عبد العاطي للموسيقى هذه المكانة، بإقرانها بالوعي البشري، وكيف أنها تتمثل على هيئة شموع تمحو ظلمة العقل.

التجربة

ويأتي عبد العاطي في قصصه من مناطق متنوعة، تتحدث عن الحلم، والرؤية، والخرافة، والغموض والوهم، والسحر، وكذلك، الكون وهو فارغ، وهو مكتظ بالقناعات.

ويقارن في قصة ”هروب“ بين حالتين من الخوف، الأولى مع غياب الوعي، والأخرى مع وجوده، ويصف كيف يتحسس الإنسان ذاته في كل مرة، وكأنه يريد أن يقول: إن ذلك الفارق الواضح، هو المسافة بين أول التجربة، وآخرها.

هدم وبناء

ويهدم في قصة ”صفائح الطين“ الفكرة المنحوتة من الطين الضعيف، ويستبدلها بنور يكشف عجز القالب عن التقدم خطوة للأمام. فزينب التي كانت تنحت ذاتها قبل أي شيء، لعبت بصفائح الطين، فأنتجت عالمها الخاص، وأجبرت العالم على تقبل رؤيتها، في كون فسيح قائم على الاختلاف.

هدنة بين معركتين

أما في قصة ”حينما يهادن الموت“ فينظر الكاتب المصري للعالم من بعد وجودي آخر، هو الموت، ويقدم قناعات الموتى بشكل تقريري، قد لا يقبله البعض، لكنّ هنالك دائمًا بابًا مفتوحًا على السؤال.

فيقول مقررًا عن الموتى: ”إنهم يملكون حرية العودة إليكم، إلا أنهم فضلوا ما هم عليه“، ومن بعدها يصف الموت بأنه هدنة بين معركتين.

مجايلة

ويطرح عبد العاطي رؤية الابن في سن العشرين، على لسان والده، بتقديمه صياغة سردية لافتة في قصة ”رسالة إلى ولدي“ وهو يسعى إلى تمرير خيط تواصلي بين الأجيال، كفعل تقريبي للقناعات.

ويضع في لب هذه القصة، نواة الموت، التي هي دائمة الإقامة في كل الثمار، وينفي عن العالم امتلاك الحقيقة الواضحة، حينما يضعها في عالم غير هذه الحياة.

ويقول في مشهد يدعو  للتجريب: ”وإن ضللت الطريق، لا تخف، فكل الطرق ضالة“.

هذه المجموعة القصصية الحائزة على تكريم ”أخبار الأدب“، تفتح نوافذ العقل الإنساني على متاهات، تجبر المرء على إعادة تفكيك وتجميع قناعاته، بحيث يشكل حقيقته الخاصة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com