لماذا يُنصح بقراءة الكتاب أكثر من مرة؟ – إرم نيوز‬‎

لماذا يُنصح بقراءة الكتاب أكثر من مرة؟

لماذا يُنصح بقراءة الكتاب أكثر من مرة؟

المصدر: حسام معروف – إرم نيوز

يفضل الكثيرون قراءة الكتاب مرة واحدة، بحجة ضيق الوقت للتكرار، واستكشاف المعرفة من كتب أخرى، إلا أن هناك آخرين يفضلون إعادة قراءة بعض الكتب المهمة أكثر من مرة، لا سيما تلك التي تشكل نقلة نوعية في وعي الفرد، ما يطرح سؤالًا بشأن أي من الفئتين على الطريق الصحيح؟

خارج العقل وداخله

إن ميزة العقل الإنساني في الاستيعاب السريع، والتقاط المعلومات والقناعات الفارقة من الكتب، لا تتحقق عند أول قراءة فحسب، فهناك الكثير من المعرفة تنسحب خارج العقل، لمجرد انقضاء فترة زمنية، خاصة إن كان هذا العقل دائم التعرض للمعرفة.

وتقول الدراسات إن 75% من البيانات التي يتداولها العقل الإنساني، تختفي من العقل بعد 6 أيام من التعرض لها، هذا في حال لم يعد الإنسان للتفاعل معها، الأمر الذي دفع البعض للتوجه لفكرة إعادة القراءة لنفس الكتاب مرتين، أو أكثر، إذ وجد أن التجاوب العقلي مع الكتاب توسع إلى حد انتقال القناعات إلى الممارسة اليومية.

وعن قيمة التكرار، يقول ”ماركوس“ أكبر ممارسي الفنون القتالية:“لا أخاف من المرء الذي مارس 10000 ركلة مرة واحدة، لكن أخشى من الذي مارس ركلة واحدة 10000 مرة“، الأمر الذي ينطبق تمامًا على قارئ الكتب.

وبكل تأكيد فإن القراءة الثانية لن تستغرق وقتًا كما تتطلب الأولى، لأن العقل يكون قد سبق وعالج المعرفة الأولية، وألِفها، ويكون هدف القراءة الثانية وغيرها، بأهدافٍ متعددة، ولا تتوقف الإفادة منها، ولكن ما الفوائد التي تعود على القارئ من التكرار؟

العمق

من الضروري للقارئ في المرة الأولى أن يقوم بتدوين ملاحظاته الخاصة عن الكتاب، أو تحديد النقاط، والفقرات، التي لفتت انتباهه، لأنه من السهل أن ينسى، ما يجعل تحديد النقاط الأساسية، والاحتفاظ بها، من القراءة الثانية مفتاحًا لإتقان مهارات معينة، لم تكن لتتحقق في القراءة الأولى.

ويفقده المرء في أول محاولة، يمكنه تجميعه، والتفاعل معه في الإعادة، ولأن العقل في المرة الأولى يتركز جهده نحو الفهم، وملاحقة الحدث، فإن ذلك لن يستهلك طاقة مماثلة في القراءة الأخرى، فيكون الالتفات إلى ما بين الجمل والسطور، ما يضمن تحقق عمق أكثر في الفهم، وبمنظور مغاير، خاصة إذا كان هناك تباعد زمني بين القراءتين.

لا تدخل النهر مرتين

ويمكن أن نرى الفائدة لتكرار القراءة من جانب التغيّر الإنساني، فعقل وخلايا الأشخاص في تغير دائم، وهو ما يتيح للخلايا العقلية استقبالًا ليس متطابقًا للمعلومات في كل مرة، لذا ستتحقق متعة التلقي بشكل آخر في كل محاولة، بما يضمن رؤى مختلفة، وتراكمية حول نفس الفكرة، مع إمكانية ربط أقوى.

وليس المهم أن تتسع قائمة القارئ من الكتب، بل التعمق في نقطة ما، بشكل يؤسس له عدم فقدان أثرها، وعندما يأتيه الشعور بأنه تمكن منها، بحيث تحولَت لأثَاثٍ في ذاكرته، يكون البدء برحلة جديدة مع كتاب آخر شيئًا صحيًا.

ويمكن القول إن القراءة الأولى استكشافية لجمع حدود النص، أما الثانية فكأنما النص يعاد استجوابه لمعرفة ما أخفاه في المحاولة الأولى.

ذاكرة مغناطيسية

وجانب آخر لا يجب إغفاله، وهو أن خلايا العقل الإنساني تتلف، دون تجدد، مع الكِبر في العمر، وإن فقدان الحيوية هذا لن يجد ما يسنده، سوى معلومات مرت على العقل أكثر من مرة في السابق، وهو أثر يتحقق بتكرار القراءة.

وينوه  ”أنتوني ميتيفير“ إلى إعادة استقطاب المعرفة للعقل من جديد،  بمصطلح “ الذاكرة المغناطيسية“ بحيث تستطيع جذب المعلومات نحوك مهما خانتك الذاكرة.

إعادة تحريك الهواء

وعن الفائدة التي تعود على الطامحين في امتهان الكتابة، فإن إعادة القراءة لنفس التجربة، تعد دخولًا لمختبر إبداعي عملي، حيث يصبح الالتفات إلى تقنيات الكتابة أكبر، في عملية تحريك الهواء الجديدة، ويكون السؤال الداخلي الدائر، ما الذي يجب أن يفعله الكاتب، ليجعل القارئ يحب أن يقرأ ما كتب؟

والذي يحدد تصنيف القارئ من بين الفئتين، هو هدفه من القراءة، فإن كان بهدف المتعة، وشغل الوقت لا أكثر، سيبحث عن كتب جديدة بعد خلاصه من القديم، أما إن كان ممن يرغب بتغيير نفسه، ومن حوله، سيكرر ما قرأه دون مللٍ.

ويتحدث عن هذا التصنيف، وبنبرة السخرية، رولان بارت، حيثُ يقول:“إن إعادة القراءة، وهي عملية منافية للتقاليد التجارية والأيديولوجية لمجتمعنا وتلح على التخلص من القصة بمجرد استهلاكها للمرور إلى قصة أخرى، وشراء كتاب آخر، مسموح بها فقط لبعض الفئات الهامشية من القراء: (الأطفال، العجزة، والأساتذة)“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com