ملك هارب من الشطرنج.. في ديوان ”أنت نافذة، هم غيوم“ للفلسطيني يحيى عاشور – إرم نيوز‬‎

ملك هارب من الشطرنج.. في ديوان ”أنت نافذة، هم غيوم“ للفلسطيني يحيى عاشور

ملك هارب من الشطرنج.. في ديوان ”أنت نافذة، هم غيوم“ للفلسطيني يحيى عاشور

المصدر: حسام معروف - إرم نيوز

يقدم الشاعر الفلسطيني يحيى عاشور صورًا فنية متنوعة حول التجربة الإنسانية مع الذات، والأحداث من حوله، في مجموعته الشعرية ”أنت نافذة، هم غيوم“، والمنشورة بواسطة مؤسسة تامر للتعليم المجتمعي 2017.

ويحاول ”عاشور“ في شعره أن يتجاهل قبضة الواقع، ويلغي أثرها، بأن ينقل وعي الإنسان نحو سعة الحلم الذاتي، كفعل يؤسس لإثبات الهوية الإنسانية الخاصة، ويرفض التبعية لفكر وخيال الآخرين. ويؤكد على استطاعة الإنسان تحقيق ذلك من خلال الغرق في أحلامه، فيقول: ”أن تغرق في أحلامك أثمن من أن تطفو على أحلام الآخرين، لا تخف، هذا الغرق لا يقتل“. ذلك الغرق الوحيد الذي يسحب الإنسان نحو حياة يعرف عنها كل شيء.

 

أشكال متنوعة

وبالرغم من أن الشاعر الفلسطيني يحاول أن يصبغ شعره بالحكمة في مواطن كثيرة، ويميل إلى النصح، وهو ما يخرج به من عباءة الشعر، إلا أنه ينجز قوالبًا فنية مختلفة، تضمن له أشكالًا متعددة في صناعة هيكل القصيدة، فيعمد ”عاشور“ إلى تقطيع النص تارة حول وحدة موضوعية، ويتخذ وِحدة الطرح المسترسلة كشكل بنائي للنص تارة أخرى، كما يولد الشعر معه أحيانًا على شكل ومضة، بهدف صنع الدهشة.

ويتميز شعر يحيى عاشور بتنوع الموضوعات، فيتحدث عن الحلم والألم الإنساني، والخوف، والسخط، والحب، والحرب، والحيرة، والأمل، كما يكثر في نصوصه التساؤلات، وهو ما يزيد من توسع قصيدته في الوعي الإنساني.

 

تحليق

ويظهر في أسلوب الشاعر الفلسطيني ميله للتطرق إلى تفاصيل متناهية في الصغر، لا ينساها، كي لا تكون التقاطاته الشعرية ناقصة، ويبدو الخيال الشعري لدى ”عاشور“ مرنًا، ومفتوحًا على الأفكار، فلا سدود ولا حواجز بينه وبين اكتشاف ذاته.

ففي قصيدة ”أعرج“، ينقل الشاعر تفاصيل يومه إلى منطقته الخاصة، بتأمل ذي شاشة سوداء لما حوله، حين يدرب وعيه على العرج، تبعًا للطريق الممتلئ بالخيبة، فيقول:

”أعرج،

حين أمشي في شارعنا المكسور الخاطر، ليلًا..

حيث الناس أحياء يفتشون عن المصائب،

وأفتش بجانبهم عن استقامة ظلي!“.

فإن وصف الأجزاء من الخارج، ومحاكاة أثرها داخله، يصنع إطارًا محكمًا للصورة الشعرية، التي ينتجها عاشور.

 

صورة جماعية لي وحدي

ويبحث الشاعر الفلسطيني في لحظة شعرية ما، عن شخصية تجمع كل الصفات الوجودية، ليرى نفسه كما أراد. وهو بذلك متسق مع رؤية إبراهيم جبرا إبراهيم، الذي كان يخاطب العالم بمطلبه الشمولي: ”صورة جماعية لي وحدي“. وهكذا عبر ”عاشور“ عن رغبته بتخيل ”الشخصية التي تلعب كل الأدوار“.

 

كتلة ثقيلة

ويحاكي ”عاشور“ كتلة الحرب الثقيلة، ويبدي حيرته من غموض شكلها، وعدم تناسقها مع الخوف الطبيعي للإنسان، ويجرد ذلك الدمار الذي تحدثه في نفسه على شكل كلمات، وأسئلة دائرية. ويمد يده أخيرًا، رغبة في الحوار مع كل شيء، حتى الحرب. فيقول: ”دمرت كل شيء داخلي، متى؟ كيف؟ أين وأين؟ تاهت الأسئلة، اختفت الحرب ببساطة، ولم أجد قلبها، لأحببه بالسلام“.

 

الزمن كمساحة

ويسأل ”عاشور“ لا ليقتل فضوله، بل ليصنع إشكالية أخرى. فتعلو في شعره تناثرات لتأمل عميق للمحسوس وغير المحسوس. ويأتي ليفكك الوقت إلى أفكار صغيرة، كي يعرف سره الداخلي، لكنه يعلن العجز الإنساني عن تحديد شكل وماهية الزمن، ويحيله إلى متاهة أخرى، فيباغتنا في قصيدة ”في مسار منحنٍ“ بسؤاله: ”هل الوقت هو اعتقاد الطرقات المشترك؟“، وهو بذلك يحاول شق تفرعات جديدة، تؤدي لحياة أكثر وضوحًا.

 

هروب

ويذهب الشاعر الفلسطيني بحواسه إلى لعبة شطرنج مع الكون، بأن يجعل من نفسه الملك المحاصر بالأسئلة، ويود الهروب من مساحة اللعب، لكي لا يراه الملِك الآخر، فيقول في قصيدة ”فكرة سيئة“:

”ماذا لو زرعت حكايات متناقضة في كل بستان،

وأثمرت ألف مشكلة،

لأدّعي بوضوح يخصني،

أن هروبي من الكون دون أن يراني الخالق،

هو الحل!“.

وفي ختام النص يتحدث عن هزيمته المطلقة، ويعبر بانكسار عن قلة حيلته أمام هذه الفكرة الكونية الهيولية بالتساؤل: ”ماذا لو لم أبالِ بكل هذا، ورقصت بين الثقافات بلا نهاية، أليست هذه فكرة سيئة؟!“.

 

وسواس

ويدعو ”عاشور“ الشعراء إلى مقاتلة الشعر؛ لأن مفعول الوسواس الناجم عن ممارسته، يحيل الإنسان إلى شبكة مرمى، في ملعب الكون الكبير. فيقول: ”قاتل شعرك، لتخرج من صفقات الشياطين“. كما يدعو لمقاتلة الحدود، وكل شيء لا يجعل الإنسان يرى ملامحه الحقيقية. فيكتب: ”قاتل جدرانك كلها، قاتل نفسك، ثم انظر إليها في أي مرآة، هل انتصرْت؟“.

 

رسومات

في مجموعة ”عاشور“ رسومات على الورق، مصاحبة للنصوص، لربما أراد بها تمرير شعره مع ونيسٍ، تألفه العين.

ومن جانب آخر، تكثر في شعر ”عاشور“ الحركة والأصوات، والتشكيلات الإيحائية، ويتضح تقديره لغير الملموس، والهامشي، والغامض، وذلك كله من أسس الشعر. كما ويتجلى سعيه إلى شذرات مبتكرة عن المواقف اليومية، والتفصيلات السهلة، التي يعايشها الجميع ولا يرونها، لكنه الشاعر الحقيقي، هو من يلتقطها، كأنه يجمع ورق الأشجار في خريف حاد؛ مخافة أن يدوسها.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com