استعادة شخص من الرماد.. في رواية ”الكتاب الأبيض“ للكورية هان كانغ – إرم نيوز‬‎

استعادة شخص من الرماد.. في رواية ”الكتاب الأبيض“ للكورية هان كانغ

استعادة شخص من الرماد.. في رواية ”الكتاب الأبيض“ للكورية هان كانغ

المصدر: حسام معروف - إرم نيوز

تقدم الكاتبة الكورية ”هان كانغ“ حياة متخيلة لأختها الراحلة، بعد ساعتين فقط من ولادتها، في رواية بعنوان ”الكتاب الأبيض“، الصادر عن دار التنوير للنشر، وبترجمة من محمد نجيب.

وترتكز أحداث الرواية حول حدث حقيقي يتجذر في ذاكرة الكاتبة. فمنذ طفولتها أخبرها والداها بأن أختًا سابقة لها، قد جاءت الحياة لوقت قصير ومن ثم غادرت، فحزنت ”كانغ“ حينها، وتخيلت لو أن هذه الأخت عاشت، فستكون أختها الكبرى. وبألم كبير اقتنعت بأن الحياة لم تكن لتقبل بوجودها وأختها معًا، فلا بدّ أن تعيش واحدة منهما. وهو ما جعلها تحمل ذنب غياب الأخت، وحزنًا يكبر مع العمر.

تلك المعاناة دفعتها لتخيل أختها تمارس الحياة من جديد، فتنسج الروائية للفقيدة حياة متخيلة بعرض مواقف مختلفة، وكأن جسد أختها هو الذي يعيش، مقدمة سردًا مقسمًا لعدة فقرات بعناوين تتصف بالأبيض.

وتصنع الأديبة الكورية كرة من الحسرة حينما تستعين بكلمات، كلها تدور حول مشاعر الحزن، تلك الكلمات مثل الثلج، القماط، الملاءة، الحليب، القمر، الشاش.

وتستعرض ”كانج“ رحلة أحاسيس نازفة تنتابها بكل تفاعل مع إحدى تلك الكلمات، لتعبر عن عاطفة نادرة. وتبدع بخيالها الذي يرسم حياة افتراضية لأختها، سعيًا منها لإلغاء حجز المغادرة السريعة للحياة. وقت صغير منحته الحياة للأخت، لم تتعلم خلاله سوى تلقف ثدي الأم، ولم تجد حليبها الأبيض، فقد تحتاج الغدد اللبنية بعض الوقت لإفرازه.

وفعلًا، تفارق الأخت الحياة بأبيض عينيها دون أبيض حليب الأم. لكن ”كانج“ أرادت لأختها أن تكمل العمر، وتعيش تجربة الحياة، فكتبت بسنارة تغزل الفقد، عن تجربة أختها المتخيلة مع الأشياء البيضاء.

 

لا تصنيف

إن ما حاكته ”كانغ“ في كتابها الأبيض، لا يخضع لتصنيف أدبي قط. فيمكن اعتباره سيرة ذاتية متخيلة عن حياة أختها، أو مجموعة أفكار تتسرب من المجرى نفسه، لتصنع حسيّات مختلفة، تجاه اللون الأبيض.

ولقد نجحت الكاتبة في ذلك المسار من تفتيت القالب الروائي، وصنع ثيمة خاصة، بتقنيات السرد. وتقدم الأديبة الكورية في الكتاب الأبيض، طرحًا مغايرًا عما طرحته في رواية ”النباتية“2016، تلك الفائزة بجائزة مان بوكر في عامها.

 

مرهم وشاش

وتتحدث الكاتبة عن الجرح، وببحثنا عما يغطيه، رغبة في الحفاظ على المتبقي من الجسد، وخوفًا من زيادة مداهمة الشر له. وتستعين الكاتبة الكورية بمرهم وشاش أبيضين، لملء المكان الذي يجلس فيه انتظار الإنسان وخوفه، حيال الجرح.

 

دهان الثلج

وتراقب ”كانغ“ فعلة الثلج في إخفاء صدأ الأرض، كما تعمل فرشاة دهان في يدها، مع باب ملأه الصدأ، في بيت مهجور. وتتسرب من داخلها أصوات حزينة قد تكون غير مسموعة، لكنها تنطلق إلى الطبيعة مشكلة صورتها المنفردة، كما يخرج مثلًا بخار الفم الأبيض في البرد، مدللًا على دفء الجسد.

 

النظر للداخل

كتبت ”كانغ“ كتابها الأبيض، إبان إقامتها في العاصمة البولندية وارسو، التي سبق وأن دمرتها الحرب. فساهمت المدينة وأنقاضها بإحياء أنقاض ذكرى أختها داخلها، وفي هروبها بين الأماكن، كانت تظن بأنها ستحتل مساحة من الفرح، والانطلاق في الحياة دون ندوب فهل تحقق ذلك؟ تجيب بالقول: ”اكتشفت أن المكان الذي فررت إليه ليس مدينة على الجانب الآخر من العالم، كما ظننت وتمنيت، بل إنه مكان يجبرني على النظر أكثر في داخلي، الذي أحاول تجنبه“.

 

بقاء بأدنى حمولة

وعن الرماد الأبيض الذي لا يعبر بالمطلق عن فرحة، كونه بمثابة أسلوب استسلام كامل للحياة، ذلك السحق لأي شيء وإعلان هزيمته، وبقائه بأدنى حمولة، بل إكسابه صفة اللا وزن. إنه رماد أبيض، تعتبره الكاتبة الكورية الشيء الوحيد المختلط بأصوات متناثرة عند البحر، لاسترجاع روح غابت عن الحياة، وتتلو خيبتها مع نصوص ”السوترا“ الكورية المقدسة.

 

حفظ وتعقيم

وتعبر الكاتبة الكورية في فلك أفكارها عن دهشتها أمام الملح، ذلك الأبيض الذي يمتلك قدرة عجيبة على حفظ الأشياء من التحلل، كما يحاول أن يفعل الشاش. ومهارة التعقيم تلك تكسبه قيمته في عين تنظر إليه بحس الفن، لكنها تهرب منه في وقت أصبح الجرح عضوًا جديدًا في جسدها. وكيف عليها أن تحتمل ألم اختلاط الجرح بالملح، وكلها جراح من الداخل؟.

 

لون باهت

وكانت الصفة الغريبة في أفكار ”كانغ“ حول الأشياء البيضاء، بوصفها ”الضحكة البيضاء“. ومنحها هيئة اللون الباهت، تلك الضحكة التي حين ترتسم على ملامحنا، نحاول أن نخفي بفعلها، شيئًا أكبر داخلنا.

 

قوالب سكر

وتناقش الروائية الكورية لعبة الزمن مع الأشياء، فتستعين بقوالب السكر، لا لطعمها، بل لشكلها الهندسي الجميل. فتقول: ”لم تعد مهووسة بالأشياء الحلوة المذاق، لكن لا يزال منظر مكعبات السكر الملفوفة، يثير فيها إحساس مشاهدة شيء ثمين“. وهو ما لا يستطيع توالي الحزن نزعه من داخل الإنسان، فهنالك أثر جمالي بالغنا في الإحساس فيه، لدرجة أنه يصمد رغم كل شي. وهنا تقول: ”هناك أشياء معينة، تظل منيعة أمام القدرة المدمرة للزمن. وينطبق ذلك على المعاناة أيضًا. ليس صحيحًا أن الزمن والمعاناة، يشوهان كل شيء، ليس صحيحًا، أنهما يهدمان كل شيء“.

 

حبة حصاة

أمام كل تلك الذكريات، ليس أمام ”كانغ“ إلا أن تصمت، وتقوم بفعل تحويلي لأزمة فقد أختها، بلغتها المائلة للعمق في الالتقاط، والمقاربة العاطفية بين الإنسان والأشياء البيضاء اللون. صمتها الطويل، حين فكرت في وصفه قالت: ”لو كان بالإمكان تكثيف الصمت في أصغر الأجسام، وأكثرها صلابة، فسيكون له شكل وملمس حصاة صغيرة“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com