”الدجال“ لشوقي الصليعي.. رواية تغرف مادتها من منابع الطفولة – إرم نيوز‬‎

”الدجال“ لشوقي الصليعي.. رواية تغرف مادتها من منابع الطفولة

”الدجال“ لشوقي الصليعي.. رواية تغرف مادتها من منابع الطفولة

المصدر: مهند الحميدي - إرم نيوز

أصدر الكاتب التونسي شوقي الصليعي حديثًا، روايته ”الدجال“ التي تتماهي فيها الحدود بين الواقع والخيال بأسلوب محكم السبك يستمد مادته من منابع الطفولة.

وتدور أحداث الرواية حول حياة شاب هامشي ملاكم يتعلق بالأجواء الطلابية النضالية، ويعيش قصة حب فاشلة تجعله يهرب من قدره إلى الغرب، فينغمس في أجواء العصابات ويعود بعد أعوام لينتقم ممن سرق محبوبته، فيحتمي بالشخصيات الثقافية؛ مثل حارس في صحيفة أدبية، ومن هناك يخلق إمبراطورية للرذيلة واستغلال الأطفال المشردين.

وقال ”الصليعي“ في حديث خاص لـ“إرم نيوز“: ”أنا من سكان قرية دوز الصحراوية، جنوب تونس، حيث الواحة والطبيعة الخلابة، وقد استوطن الأجداد القرية بعد ترحال قديم في الصحراء. وهناك في ترحالهم لم تكن لهم لغة غير الشعر النبطي الشعبي، ومنهم كنا نستمد شعرية القول والعناية باللغة. وأهل قريتي دوز أهل قرآن وهم حفظة لكتاب الله والكل يلهجون بتلاوته، والمتعلمون منهم مغرومون بالمعلقات ينشدونها على مسامعنا في هذه البيئة. والمرازيق وهم سكان دوز مغرومون بالحكي يتسامرون به في لياليهم فالجميع له ذائقة عالية في عشق الكلمات“.

وأضاف: ”المادة الأولى للغة الرواية هي ذاكرتي الشعرية التي يشير إليها (غاستون باشلار) في كتابه (شاعرية أحلام اليقظة) التي تنهل من منابع الذاكرة الطفولية للروح، وافتتاني بالكلمات حتى صارت الكلمة هي مسكن الوجود؛ حسب تعبير الفيلسوف مارتن هيدغر، فهي غاية في حد ذاتها وليست مجرد وسيلة للتعبير، فلا شيء خارج اللغة؛ كما يقول الناقد والفيلسوف رولان بارت. فالعالم المتخيل لا يمت للعالم الواقعي بصلة كبيرة، إذ إن الإنسان هو مقياس كل شيء بما يصوره له وعيه الفردي أو الجمعي. فلا حقيقة للنص ولا للواقع إلا من حيث هو مقروء من متلق يستوعبه حسب مقدرته ويتفاعل معه حسب خلفيته الثقافية“.

وتابع: ”بذلك نتحدث عن موت المؤلف الذي يتوهم البعض بقانون القصدية أنه الخالق والضامن للمعنى. إذ المعنى متقلب تحت سلطان اللوجيم الذي يحف به زمنيًا وثقافيًا من جهة وخاضعًا لمدركات المتلقي بتنوع مشاربه من جهة ثانية. إن الكتابة التجريدية بطبيعتها ذات بعد أنطولوجي يسمو عن الواقع، لذلك علاقة الدجال بالواقع هي علاقة رجراجة من حيث أسلوب ومنهج النص من جانبه الشكلي لكن من الجهة الموضوعية التي تتعلق بالدراما وطريقة كسر السرد فإن انتباه المؤلف بأن ما كان يعيشه هو حلم يقظة طويل الأمد وليس واقعًا قد خلق موجة ارتدادية تعود على المتلقي بالحيرة التي لا شفاء منها عن السؤال الرئيس: ما هي حدود الواقع ومدى تمفصلها مع مشارف الخيال؟ وهل النص هو شيء يعاش أو سالف معيش وأمر منته؟ وهذا شيء أنا نفسي لا أملك جوابه“.

واعتمد الكاتب في روايته على أسلوب البناء الهندسي، في اللوحات والمشاهد التي تمنح القارئ الهامش الدلالي لتركيب الخيط الناظم، حسب مقدرته على استيعاب العناصر والشخصيات فوق رقعة الشطرنج السردية، فتداخل الأزمنة من جانبه الوجودي يمنح الأحداث وتصادماتها بعدًا دراميًّا يعلو على التسلسل الزمني الارتجاعي الذي لا يصلح إلا في السيرة الذاتية الكلاسيكية وليست المتخيلة التي يعتمدها كتاب الحداثة في الآونة الأخيرة.

 

آراء النقاد

وصف الناقد الدكتور ”حامد حجي“ المتخصص بالأدب المقارن، رواية ”الدجال“ بأنها: ”ميلاد الرواية الرسمتخييلية“، ووافقه في ذلك الناقد والروائي عبد الوهاب الملوح، ولئن كان البعض يرجع ذلك لطبيعة التيمة الروائية التي تتمحور حول حياة الرسامين والروائيين والشعراء والصحافيين، لكن غالب الظن بأن الدكتور حجي كان يرمي إلى طبيعة المتن الحكائي ذاته من حيث هو تفصيلي ودقيق الخبايا وتصويري بحيث يكون النص مرسومًا لا مكتوبًا، فهو في طبيعته الوصفية للمادي والمعنوي يحاكي فلسفة المدرسة التأثيرية، في جعل المشهد متحركًا في جموده فوق اللوحة، ونظير ذلك في السرد الذي يحاكي الشكل واللون فيكون للكلمات جسد مصور بعناية ولهذا الجسد روح تصدح بتعبيرات تجعله رسمًا متخيلًا بالكلمات عن طريق لغة الشعر.

وبذلك يرتفع التمازج الشكلي بين الفنون الرسم متحولًا إلى نثر عن طريق القريض، إلى حقيقة ملموسة في نص روائي. ما سبب للكاتب انتقادات تتهمه بأنه مؤلف نخبوي يتوجه في مضامينه الفلسفية والتجريدية للخاصة دون العامة، وذلك يظهر بوضوح في مجموعته القصصية ”أقوام الضفة الأخرى“، لكن بنسبة أقل في روايته ”الدجال“.

ووصف الناقد الدكتور عبد الدائم السلامي، الرواية بأنها ”روايةٌ مكتوبةٌ بلُغةٍ سليمةٍ تَغْتَرِفُ، بل وتَعْرِفُ كيف تَغْتَرِفُ، أصْفَى ما في بديعِ الكلامِ من فنونٍ، كما أنّ عمرانَها السّرديَّ مُشيَّدٌ تشييدَ البناءِ المَرْصُوصِ، فلا يَقْبَلُ أن تُحْذَفَ منها كلمةٌ أو أنْ تُزادَ لها أخرى، وهي إلى ذلك روايةٌ مثقَّفةٌ؛ تَحْكِي وتُعلِّمُ“.

وقالت عنها الناقدة الدكتورة أميرة غنيم، إن ”رواية الدجال مكتوبة في لغة متينة مثيرة للإعجاب وفيها من ألاعيب السرد ما يوقع القارئ في حيرة لذيذة“.

 

مقتطفات من الرواية

يقول الكاتب في الفصل التاسع من روايته الذي يحمل عنوان ”وجودية“: ”يحلو لهاشم الرجل الغريب الأطوار، كلما أراد التعبير عن جُنونه الفني أمام خاصة أصفيائه أن يقول: أنا لا أوجد خارج كلماتي التي تنبع من خيالي المحض، مُسْتقلة عن شبحي المادي. أنا وهْمٌ كبير، لم يكن لي كبقية الخلق من وجود ما واقعي، لكن الناس لا يفقهون مقالتي ولا يحملونها على محمل الجد وذلك هو مصدر علتي وعذابي، لطالما أحسسْت أني بيضة خرافيّة لا أصل لها فقست في الهواء ولفرط خفتها ظلت مُعلقة في الفضاء اللانهائي، وها هي تتم دورة تحليقها كطائر فريد، لم يعرف السير فوق الغُصون ولا دفء العُشّ ولا يؤالف أو يعادي بقية السّرب. تعتريني مُنذ نعومة أظفاري حالة مُذهلة من الغياب، فإذا كتبت أو رسمت أو فتنت بشتّى ضروب الجمال بُعثت من العدم وبي جوع لا يفتر لتخوم مملكة الخيال، إذا طالعت ففي روحي لسان قطّ ورديّ يتمطّق طعم اللون المُغري من لحم الكلمات التي تبدو لذائقتي الشّرهة، شرائح من لحُوم غضّة شهيّة“.

رواية ”الدجال“ صادرة عن دار زينب للنشر والتوزيع، قلبيبة تونس، في الـ 10 من يونيو/حزيران الماضي، وتقع في 304 صفحات من القطع المتوسط.

 

الكاتب في سطور

شوقي محمد علي الصليعي، قاص وروائي وفنان تشكيلي، يبلغ من العمر 54 عامًا، يحمل شهادة في الحقوق، سبق أن أصدر مجموعة قصصية بعنوان ”أقوام الضفة الأخرى“ عام 2018.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com