رواية ”كولاج“ للجزائري أحمد عبد الكريم.. سرد نقيّ وعمق في الكواليس

رواية ”كولاج“ للجزائري أحمد عبد الكريم.. سرد نقيّ وعمق في الكواليس

المصدر: حسام معروف - إرم نيوز

يشعل الروائي الجزائري ”أحمد عبد الكريم“ أجواءً بوليسية، وأحداثًا غامضة، في روايته ”كولاج“ الصادرة عن ”الجزائر تقرأ“ 2018.

ضوء كشّاف مفاجئ

تقلع أحداث الرواية منذ أول لحظة، بصوتٍ عالٍ، حيث تصادمية العين بالحدث، كانت واضحة، فتستهل الرواية بمداهمة رجل الأمن محمود، للفنان التشكيلي علي الجنوي، في مهمة تحقيق حول سرقة صديقه عابد الجيلاني لوثيقة قديمة خطها العالِم ”ابن مقلة“، ككتاب صلح بين المسلمين والروم، الجنوي الذي كان قد اعتاد العزلة، وألف الإعتام على دائرة حياته، يصبح فجأة تحت الضوء، و متورطًا في قضية صديقه الهارب، ويصر عليه أن يحمل عبء واجبه تجاه الحق من جانب، وواجبه تجاه صديقه القديم من جانب آخر؛ لتدخل الأحداث في أجواء الهاجس الأمني منذ البداية، بهدف كشف لغز اختفاء الوثيقة، واختباء السارق، وتبنى هندسة النص المعمارية، بعرض تحليلي، بِنيّة الوصول إلى دافع السرقة.

خطى في اتجاه واحد

هي رواية تغرس أصابعها في التاريخ، لتستخرج عينة من الواقع الجزائري خلال عهد الاحتلال الفرنسي، مسلطةً الضوء على البنية الاجتماعية الجزائرية التي نتجت عن هذه المرحلة، فلم يكن أمام أبناء المتنفعين من الحكم الفرنسي، إلا الهرب إلى فرنسا بعد سقوط الاحتلال الفرنسي في الجزائر، وهو ما منع ”نافري“ المولود في الجزائر من العودة إلى بلاد المسقط، وبذرة الطفولة، لأن أباه كان متورطًا في عداء مع الجزائريين. فاختار مهمة تحقيق صحفي وهمية، اختلقها من أجل دخول قريته الصغيرة التي نشأ فيها، بحجة جمع معلومات عن الجاني، كما يعرج الكاتب إلى بعض القرى والبلدات الجزائرية في دربه، مثل الغوطة، سطيف، ميزاب، بني يزقن، تماسين.

 

رمل أصفر

وفي وصف متقن للصحراء الجزائرية، يفرد أجنحة لغته ليكشف عن هوية بطله الجنوي، وكيف أن هذه البقعة الشاسعة أثرت في تركيب صفاته، فيقول:“ الصحراء توأم البحر، مغرية وخادعة، تفتك بالضعيف الغر، أو بعاشقها الذي يقرأ فيها الأمان، ويأنس إليها فتأخذه على حين غرة، لو يدرك المفتونون بالصحراء من السياح حقيقتها، ما افتتنوا بها، ولا قطعوا إليها المسافات، من أجل التمتع بسحرها، وأسرارها لأيام…. لو أنهم جربوا بؤسها وحياتها، ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، وما طاقوا يومياتها“.

بلا شاعرية

تسير الطريقة السردية للرواية بخطى متوازنة، محملة بالغموض، ومدفوعة بزحف مستمر تجاه الحل الأخير للسؤال: لماذا أقدم الجيلاني على سرقة الوثيقة من متحف“أيا صوفيا“ في إسطنبول، وكذلك زهرة الخفاش للفنان ”فان كوخ“ من معرض محمود خليل في القاهرة؟

ويتناول عبد الكريم أفكاره بشكل سلس، وبلغة خالية من الشعر، على الرغم من أنه شاعر، ولربما فضل ترك حصانه وحيدًا هذه المرة، ليهرب من نقد قد يتعرض له، إن أقحم حسه الشعري في السرد، وهو ما كان سيعتبر مقبولًا لو فعله.

ويعبر الروائي الجزائري عن مشاعره بطريقة الضمير الغائب في أغلب بقاع خريطة سرده، ويدمج تقنية المذكرات في منتصف العمل، كآثار، يهدف من خلالها التعريف بشخصية الجيلاني، سارق الوثيقة والزهرة.

حبر وصمغ

ورغم امتلاء الرواية بالحس الأمني، إلا أن الكاتب عمد إلى تناول مكانة اللغة العربية، وكذلك الكتابة، والقلم، ودعا إلى تقديسهم، عبر حديثه عن العالِم ”ابن مقلة“ الخطاط العربي الكبير، فيقول: “ أقسم الله تعالى في إحدى آياته الكريمة بحرف النون، وبالقلم، كدلالة على خطر شأن الكتابة وقدسيتها، وعظمة الأسرار الكامنة فيها، وفي لحظة من اللحظات كان القلم والناي يصنعان كلاهما من القصب، وإذا كان سر لوعة وشجن ناي جلال الدين الرومي، هو حنينه إلى القصبة الأم التي فارقها؛ لذلك هو يتألم ويصدر أنغامه الشجية، فإن حنين القلم إلى القصبة الأم، جعله ينزف حبرًا وصمغًا عربيًا أشبه ما يكون بالدمع الأسود“.

قريبات من المقبرة

لم تكن زينب هي المرأة الوحيدة التي تعاني من تسلط المجتمع عليها، فهي عينة ممن إلى الآن يتذوقن ويلات القهر والأذى، حتى يقتربن من المقبرة. فزينب المتحررة المثقفة الأربعينية، تتعرض للتهديد بالقتل من أخيها المتشدد دينيًا، لاختلائها مع شخص غريب عنها، دون محرم، هذا الغريب تفصح الأحداث فيما بعد، أنه أخ زينب غير الشقيق.

هتلر

هل هي صدفة أن نكون في مكان ما، في مكانة ما؟ أم أن الأمر اختيار. هي معضلة تدور حولها تقسيمات كثيرة، وتؤسس لشكل الحياة، فالجيلاني بعد أن فشل في نيل شهادته الجامعية، بعد خلاف مع أستاذه، بقي عشروين عامًا يحاول أن يصنع شجرة نجاحه الخاصة، بما فيها محاولته الأخيرة لتصوير فيلم عن حياة ابن مقلة، وفي كل المرات فشل، فاتّجه إلى الجماعات المتشددة دينيًا، التي منحته المال ليطبق لها أجندتها الخاصة، كما يستدعي الكاتب ”أدولف هتلر“ القائد الألماني الذي قارب على تخريب العالم بأسره، ويتساءل، ماذا لو أن كلية الفنون الجميلة قبلت بهتلر عضوًا فيها، بدلًا من رفضه بحجة عدم جديته؟ ألم يكن من الممكن أن يكسب العالم فنانًا ويخلص نفسه من طاغية؟

طائرة ورقية

لقد خلق الكاتب الجزائري لغزًا سرديًا بقي بحاجة إلى تفكيك حتى النهاية، وحقيقةً، ما فعله عبد الكريم بهذا اللغز، كمن أقدم على إطلاق طائرة ورقية للسماء، وبقي ممسكًا بخيطها، ثم أفلته أخيرًا، لتختفي الطائرة بعيدًا. فلم يكشف في النهاية، عن دافع الجيلاني لسرقة الآثار، ولم يعيده لمائدة السرد، كمحور متخيل لدى القارئ، من المؤكد أن الرغبة في تحسسه بالكلمات، تصبح جاهزة للقطف آخر العمل.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com