تغيرات الإنسان النفسية …في المجموعة القصصية“الصمت“ لعدي الزعبي

تغيرات الإنسان النفسية …في  المجموعة القصصية“الصمت“ لعدي الزعبي

المصدر: حسام معروف - إرم نيوز

يتناول الكاتب السوري عدي الزعبي العديد من التغيرات الإنسانية، تبعًا لتقلبات الواقع، في مجموعته القصصية ”الصمت“، والصادرة عن دار المتوسط للنشر والتوزيع2018.

يعكس الزعبي في قصصه القصيرة، التجربة الاجتماعية للمواطن السوري، الآتية انبثاقًا عن حالة الحرب في سوريا. وكذلك يسلط الضوء على حرب أخرى يعيشها المرء داخل جدرانه، تلك الحرب مع القناعات من حوله، والقيد المتمثل في رؤية المجتمع لشيء ما، يعاكس رؤيتك الهشة. ذلك البؤس المتوغل في قصص السوريين وقت الحرب، وتلك الحيرة المتفشية جراء صراع الفرد مع المجمتع، يحاول عدي الزعبي أن يظهره أبعادهما، من داخل نفق يضيء الإنسان من الداخل اسمه الأدب.

عازل

وتظهر في سرديات الزعبي الكيفية التي تتصاعد فيها حاجة الإنسان للكلام، وكذلك نقيضه ”الصمت“، هي حاجات تنبع من مواقف متباينة، تبعًا للمشاعر الإنسانية. فهل نستمر في الكلام طالما ان هناك جدلًا؟ هل يتحقق الصمت عندما يفهمنا الآخرون؟ لكننا أيضًا، و كما يقول عدي الزعبي“نصمت إن لم يفهمنا أحد“، وكأنما هنالك عازل بيننا وبين من حولنا. وبلكنة المأساة يختصر عمرًا من المواقف بقوله:“الموتى وحدهم لا يصمتون“.

دبق الخوف

يظهر الزعبي في قصة ”بقعة الدبق“ لغة فريدة، مليئة بتقافزات فلسفية مفخخة. عن الدبق العالق فينا، في أيدينا، في أعيننا، في أجسامنا، في عقولنا، في كل خطانا. يتحدث الزعبي عن الخوف الرابض في النفس الفردانية، كاستجابة لنظرة المجتمع على ما نقول، على ما نفعل. هي هيئة الصراع في أكبر مساحاتها، وأضيقها في الوقت ذاته. يقول الزعبي:“إن الكائن البشري يتحرر عندما يستطيع أن يواجه الآخرين، كما أن حرية الفرد وقدرته على الاختيار والدفاع عما يختاره، هي جوهر إنسانيته“. وصف الدبق يترك في النفس صمغًا داخليًا، يثير الضيق فينا، وكأن الزعبي وصل إلى مسافة القرب القصوى، باعتبار هذا الدبق خوفًا، وخضوعًا، لشيء يشبه الوهم، شيء أكبر من أن نتحرر.

خيط من الوجع

قصّة أغنية، قد تدل على صفات إنسان،  تلك القصة نحتاجها للحديث عنه بعد رحيله، لنكمل للعالم وصفه الصحيح. ”من عز النوم بتسرقني“ عنوان إحدى قصص الكتاب. تغرد الأغنية كمعنى، وكسيرة ذاتية، لشخص مات في الحرب السورية. وكأن الزعبي في قصته هذه يطوّع الفقد في ثوبه الجمالي، بتتبعه أثر ما كان يحبه الغائب، وما كان يكرهه.  وهو بذلك يسْحب خيطًا من الوجع لكل محبي ذلك الشخص.  إنها حادثة مستقاة من الواقع المتكرر كثيرًا للمجتمع السوري خلال وبعد الحرب. ويطرح الزعبي سؤالًا نازفًا، نجيب عليه جميعًا بالصمت:“لماذا لا نستطيع أن نعيش جميعًا بسلام؟“.

بصمة العين

يواصل الزعبي لمس المشاعر الإنسانية التي يتجلى فيها الصمت من خلال قصة أخرى بعنوان “ الوحيدان“. فالعالم على امتلائه، لا يمكن أن يكسر الدائرة حول من هو منغمس بوحدته. إلى هنا يأخذنا الزعبي من خلال عاشقين لربما، حتى حين يحاصرهما الحب، فهو يطبق أجندة الوحدة. يقول الزعبي:“ تذوب وحدتك في وحدة الآخر! هذا هو الحب“.ويحاول أن يجد ميزانًا نعرف من خلاله لحظة تفعيلنا، فيقول:“ إن وجدت من يجعلك تشعر بأنك مرغوب، فتمسك به، أنت وحيد بالفطرة“. ويكمل حول ذلك الإحساس الثقيل بقوله:“تحيط بنا القسوة في هذا العالم، بعض المسرات الصغيرة تهزم القسوة، بين حين وآخر، لكن القسوة تسود في النهاية“. ويزعم الزعبي بأن لنا في وحدتنا هوية، ما يعني استحالة القضاء عليها، حين يقول:“ لكل منا وحدته الخاصة كبصمة العين“.

حياة مؤجلة

أما في قصة ”المتنكرون“، يطرق الزعبي باب الألم للكثيرين، ممن عاشوا الاغتراب دون سفرهم، بل سفر من حولهم، خريف أبدي تتساقط فيه العلاقات، والمعايشات، والحيوات. ذلك النمط من الغربة، ينمو فجأة مثل ورم غير متوقع. فالكثير من السوريين تركوا بلادهم، حفاظًا على حياتهم، وأملًا في حياة طبيعية. فمن بقى لسعه هذا الشعور، كأنه يضغط كينونته، بقصد إقصائها. وقتها يكون اضطرارًا، على الإنسان أن يعيش على الهامش، بأصدقاء جدد، كأنه يؤجل حياته الحقة، كما ألمح الزعبي.

تبدو اللغة التلميحية، من أبرز ما يقدمه الزعبي في الطريقة السردية. لغة متفاعلة، تأخذ من القارئ، وتعطيه. وهكذا لغة تنشئ صداقة مع القراء، بحيث لا تنسى، ولا تموت. ويبرع الكاتب في استخلاص الشخصيات المختلفة من الواقع، وهو ما فيه صعوبة أكبر من شخصية ترعرعت في الخيال وحده. تلك القدرة تحتاج خبرة من نوع خاص، وأظن بأن الكاتب قد نجح في خليطه الفني. ولقد لجأ الكاتب إلى الحوار بشكل مكثف، كأهم ركائز صناعة الحدث القصصي، بما فيه من تأثير على القارئ، لكنه لربما لم يتوغل في نسيج حَبك الأحداث إلا قليلًا ، ومع ذلك في قصة الزعبي من المتعة ما يكفي للإكمال معه.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com