”نوتة الظلام“ للروائي فجر يعقوب.. سينماتوغراف بالعين

”نوتة الظلام“ للروائي فجر يعقوب.. سينماتوغراف بالعين

المصدر: حسام معروف – إرم نيوز

يضيء الروائي والمخرج السوري الفلسطيني فجر يعقوب على منطقة ”النوم الملتبس“، في روايته ”نوتة الظلام“، الصادرة عن دار الدراويش2019.

مرآة غير صالحة للاستخدام

وترتكز“نوتة الظلام“على قصة شاب، تُعرقل العاهة المستديمة في إحدى عينه، شق دربه إلى الحياة. ذلك أن ارتخاء جفنه، الذي منعه طويلًا من رؤية صحيحة لوجهه، أدى إلى كسر واقع مهيار، ودفعه لاقتناء مرآة غير صالحة لعكس وجه كامل الهيئة في غرفته.

ويهرب مهيار إلى منطقة التباسية ما بين الحلم والواقع، فيها من العتمة ما يكفي لصنع الرهبة والتشويق و كذلك الغموض، في نص فني مليء بالحرفة. في حلمه يصادف مهيار أجاثا كريستي، ويركب حلمه بكل أناقة، ويمارس موهبة التصوير، مبرزًا مهارته غير العادية. وتطلب منه أجاثا كريستي أن يسرد قصة حياته، بشكل فني، في مائتي دقيقة أمام لجنة من المحكمين. كما يخوض عدة اختبارات أمام اللجنة، يصعد بها إلى عرش رغبته في الوصول لأمانيه.

فرز لتكوينات الكادر

ومن جماليات الرواية، أن الهيكل العظمي لها ينتهج طريقًا محاطًا بالنقاط المثيرة للحيرة، فما يكشفه يعقوب مع تقدمه في السرد، يزيل الظلمة عن الجسد النثري، ويزيد من وهج الأحداث. ومع التعمق، يبدو للقارئ بأنه يحمل حلم مهيار، بكل ما فيه من خوف، وطموح.

وعلى غرار تقنيات السينما، بما تمتلكه من ضوء وتعتيم، وفرز لتكوينات الكادر حسب الرؤية، وفق ما تتطلبه حرارة المشهد، يتمرس يعقوب في حبك مشاهد، بأبعاد متشظية، في مناطق متعددة، من نثره، تجذب القارئ، إلى حد احتباس أنفاسه. ويعمل يعقوب بعينيه، كما تعمل آلة ”سينماتوغراف“. كما وبدت لغة يعقوب مثل كف يد متماسكة، تحمل محاور قصته، كأنها أصابع تمسك بالأفكار.

إعادة تعريف

وصحيح أن معظم أحداث الرواية تدور في حلم مطول، لكن، يعقوب أسقط العديد من شوكات الواقع، بغية إعادة تعريفها، أو رؤيتها بنسق ضوئي مغاير. فهو الكاتب الممسك بمهارته، يتخذ جذرًا واحدًا من الواقع، لينبت شجرة لا تتوقف عن النمو، من الفن.

وتيرة مختلفة

وتبرز في النص مأساة نفسية لشخصية تحمل عاهة العين المرتخية. وكعادته الفن، يغير مواقع الأشياء، ويفتح مسالكًا غير متوقعة. فمهيار الذي ضاق عليه واقعه، رأى في الحلم وتيرة مختلفة للعالم. هنالك الجميع صفق له، وبدأ في رؤية وجهه، وكأنما العاهة اللعينة تلاشت منه تدريجيًا. هي أمنية الاحتضان التي يحملها كل من لديه فكرة، عن الوجود، وعن غيره، أو من يحمل في تفاصيله عبئًا لم يكن له دور به. ويقول وديع سعادة:“ إن الّذين بلا أقدام، حين تنظر إليهم بحب، يصيرون بأجنحة“.

ما يعلق خارج السرد

وكما أتم الكاتب السوري بناءً ملفتًا في الشكل، فإنه عمل على مضمون وصفات مثيرة لشخصية البطل. فمهيار خاض تحديًا رهيبًا أمام اللجنة المحكمة، عندما طُلب منه أن يحدد أسماء تسعة أفلام بمخرجيها، من خلال عرض تسعة مقاطع من أفلام مختلفة، مدة كل لقطة لا تتعدى الثانية. ولقد نجح مهيار في فعل ذلك. وهو ما يمكن أن يعلق خارج السرد، كنموذج لشخصية، كما علقت شخصية زوربا، وشخصية غرينوي في ”العطر“.

حركة دورانية

وتطرق يعقوب إلى فكرة أسطورية عن فعل الزمن الدوراني في ترتيب حضور الأشياء، حينما عرض تلميحًا بأن حياة مهيار هي تكرار لحياة أبيه، حينما قال:“ شعر الابن أن حالة دائرية مشابهة في سير الزمن، تتكرر على مرأى من عينه“. حتى أن طريقة موته كانت مماثلة في الحلم، مات مثل أبيه بكر، وتم دفنه في شجرة.

ضحكة كغطاء قنينة

وعن شخصية صبحية، أم مهيار، وأليس، هي المرأة التي خاضت حربها مع الحياة وحدها، محملة بقطعتين من اللحم، كان من الممكن أن يلتهمهما أي عابر مغرض. صبحية تركها بكر ليلاحق امرأة أخرى رآها لمرة واحدة في الشام، وترك زوجته ومهيار، ثم عاد خلسة ليغتصبها، لتنجب نتيجة أخرى لجرمه، ألا وهي أليس. لكن صبحية كان وترًا ليعزف ابناها الحياة، وصبرت حتى رأت وجهًا آخر للسعادة، في رؤية تغيرات جسد ابنتها الفسيولوجية، وتلقت ذلك بضحكة، كغطاء على قنينة مليئة بالحزن.

مونولوج

وفي الرواية يتبع يعقوب تكنيك ”الراوي المونولوج“ في معظم الأحداث، فلم يكن الحوار بين الشخصيات، إلا في مواطن قليلة الظهور.  واتخذ الكاتب طريقة السرد في الماضي، وكأنما كان  يتذكر رحلة اللجوء، وتغير مكان الإقامة في الحياة بين عدة بقاع، جذرها الأول كان وطنه.  كما سار يعقوب في زمنين مختلفين أثناء سرده، مجسدًا ربطًا محبوكًا بين حياة بكر الأب، وحياة ابنه مهيار.

مائتا دقيقة

وبما أن الرواية تسير في المنطقة الحائرة ما بين الحلم والواقع، فقد أراد يعقوب أن يعطي لعمله جمالية نفسية أخرى من خلال اقتباسه من خبير الخلايا العصبية ”ميشال جوفيه“، مختتمًا به سرده بالقول:“النوم الملتبس، هو حالة ثالثة للدماغ، تختلف عن حالة النوم واليقظة، تم اكتشافها عبر التطور من العصافير. ولكن ثمة اختلافات شاسعة بين الأجناس. فالدجاجة تحلم خمسًا وعشرين دقيقة في الليلة، والقرد ستين دقيقة، والإنسان مائة دقيقة، والقط بطل الحالمين بلا منازع، فهو يحلم مائتي دقيقة في الليلة“.

وعن الركوب مع الزمن، فيظهر هنالك رابط قوي بين طرح اجاثا كريستي على مهيار بأن يسرد قصة حياته في مائتي دقيقة، وبين المدة الطويلة لحلم القط، فقد كانت أيضًا، هي المدة ذاتها التي احتجتها لقراءة نوتة الظلام.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com