الروائي السعودي مقبول العلوي يعيد الحياة للتاريخ من خلال ”سفر برلك“

الروائي السعودي مقبول العلوي يعيد الحياة للتاريخ من خلال ”سفر برلك“

المصدر: حسام معروف - إرم نيوز

يجتاز الروائي السعودي ”مقبول العلوي“ الحواجز الزمنية، عائدًا بالذاكرة العربية مئة عام إلى الوراء، من خلال روايته ”سفر برلك“ الصادرة عن دار الساقي للنشر والتوزيع 2019.

ويُقدّم الكاتب السعودي في روايته عرضًا استرجاعيًا -على عكس فرامل آلة الزمن- ويغول فيه عبر طيات التاريخ؛ لينقّب عن الكيفية التي ساقت الأحداث إلى حالتها الآن. حيث يسرد معايشة أهل المدينة المنورة للواقع، خلال الثورة العربية الكبرى ضد حكم الدولة العثمانية، وذلك في العقد الثاني من القرن الماضي.

ويتحدث عما تعرض له أهل المدينة المنورة وقتها من تهجير إجباري؛ بفرمان من الخليفة العثماني، ما أطلق عليه ”سفر برلك“ وهي كلمة تركية تعني النفير العام، والتأهب للحرب.

وتدور أحداث الرواية حول رجل يسمى“ذيب“، عاصر تلك اللحظات التاريخية الصعبة، حيث كان يعمل مدونًا، عند أحد رجال المدينة المنورة المقتدرين.

ويقع“ذيب“ أسيرًا للجنود العثمانيين، كما غيره من الحشود الكبيرة التي تم اقتيادها للهجرة إلى دمشق. فخرج الجميع في مشهد تهجيري قاسٍ، فرّق العائلات عن بعضها، وأدّى إلى تمزيق النسيج الاجتماعي، وأضاع حقوق الناس. و حدث ذلك في زمن انطلاق الثورة العربية الكبرى ضد حكم الدولة العثمانية.

وقد سبق أن تعرض ذيب في طفولته للأسر من قبل قطّاع الطرق في صحراء مكة، حيث كان يقيم مع والدته وخاله، وقد تم بيعه في سوق النخاسة للعبيد، واشتراه السيد عبدالرحمن ليس كعبدٍ، ولكن ليعمل معه في التدوين.

تسييح قوالب الثلج

يقوم الروائي السعودي في“سفر برلك“ بعملية اختزالٍ للزمن وتفنيد للماضي، بما يضمن تكاملية العرض، ويؤدي ذلك بأسلوبية سردية جذابة. ويصوغ تنقلات لغوية وجملًا متينة تصنع الحدث الروائي.

وتأتّى ذلك كله بقدرته على دمج التقنيات الفنية مع الحدث التاريخي الواقعي الصلب. كأنها عملية تسييح لقوالب الثلج بأدوات فنية مبهرة؛ لمعرفة ما يقوله السائل.

كما تناول العلوي في رحلة سرده الانتهاكات التي تعرض لها الأهالي في تلك المرحلة؛ جراء قيام قُطّاع الطرق باختطاف الأطفال، أثناء التنقل بين المدن، والسطو عليهم، واقتيادهم لخيم التعذيب، ومن ثم بيعهم كعبيدٍ في سوق النخاسة. وهل من إساءة يتعرض لها الإنسان أعظم من السطو على حريته؟

الحنين

وتمكن الروائي السعودي بلغته المُنمقة من إظهار عاطفة الحنين للأرض بشكل يعكس مدى الارتباط بفكرة المنشأ، حين سرد الكيفية التي عاد فيها ”ذيب“ إلى الصحراء متنفسًا الهواء الراسخ في ذاكرته، فيقول عن هذه الحالة:“ حالما خرجت من النطاق العمراني، وتركت مكة ورائي، حتى انفتحت الصحراء أمامي مثل كتاب مفتوح، فشعرت أنني أنتمي إلى هذه البيداء، جذوري مغروسة هنا، في هذا المكان، ولا يمكنني العيش في سواه“. بينما أظهر حنين ”ذيب“ لأمه التي فارقها لمدة عامين بسبب الأسر، فيقول:“ حالما وضعت وجهي على صدرها، وشممت رائحتها، عدت طفلًا صغير السن“.

عملية عكسية

ونظرًا لجمود قالب الرواية التاريخية؛ بسبب القيد الصارم على الحدث ومنع استخدام الخيال، فإن هذا النوع من الرواية يتطلب من الكاتب جهدًا ليس باليسير، لإنتاج عمل يحيط بكل طُرُق الإقناع، وهو ما اجتازه العلوي بقدرة لافتة.

ولقد تمكّن الكاتب السعودي من تجديد حياة الذاكرة بلغة سلسة، جامعًا حزمة من المواقف التاريخية في عصر هام من التاريخ العربي، ونقل ذلك بواقعية ووعي كبيرين، مجسدًا تجربة شخص عاصر تلك اللحظات.

ويسرد العلوي الحدث سالكًا الطريق العكسي مع الزمن، وفي مواجهة مباشرة مع مسار الطبيعة، حيث تستمر في تعرية الأشياء، وتغيير صفاتها. فلقد قام العلوي بإعادة تلبيس الحدث التاريخي حالته، وقدمه في عرض أدبي زاخر بالصفات الفنية، و كذلك متلاحم الأدوات.

وأظهر الكاتب أسس الرواية بشكل انسيابي، فالشخصيات، والبعد الزماني، والمكاني، واللغة، والتقنية النثرية، والحبكة، كلها كانت حاضرة. واتبع العلوي تجميع وفرد الأحداث بما يضمن التشويق والتأثر، والترويض، والإقناع الدرامي.

وبالرغم من صعوبة الاشتباك مع الزمن، فيما يتعلق بالرواية التاريخية، فقد امتلك العلوي قدرة تقريب الحدث، بل وملامسته، وهو ما كفِل للقارئ الغوص في الأحداث، والتفاعل مع عاطفة الشخصيات التي عاصرت تلك المرحلة، فاتحًا طُرُقًا مختلفة تُشْعر القارئ بالتواجد.

تجارب

إن الرواية التاريخية لا بد لها من إضافات فنية، تضمن الإمساك بتفاصيل الحدث التاريخي، بطريقة تحجب الملل عن القارئ، لما فيها من جمود متعلق بالماضي. ويجب على الكاتب، في هذه الحالة، منح الحياة للحدث التاريخي. ولأن ذلك يفرض حصارًا على الكاتب، ويحد من استخدام خياله، فإنه يكون  أمام تحدٍّ، ليس من السهل أن يكتب له النجاح.

ولقد كان للعديد من الروائيين العرب تجربة في هذا المضمار، مثل نجيب محفوظ، وطه حسين، ومحمد حسين هيكل. كما برز في العقود الثلاثة الأخيرة، إبراهيم الكوني من ليبيا، وأمين معلوف من لبنان، وجمال الغيطاني من مصر.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com