ضوء وإعتام حول الشخصيات في ”السيّد أزرق في السينما“ للفلسطيني أحمد جابر

ضوء وإعتام حول الشخصيات في ”السيّد أزرق في السينما“ للفلسطيني أحمد جابر

المصدر: حسام معروف - إرم نيوز

عالم من الفانتازيا الممتزجة بواقع محترق، يقدمه الكاتب الفلسطيني أحمد جابر، من خلال مجموعته القصصية“السيد أزرق في السينما“، الصادرة عن دار الأهلية للنشر والتوزيع، والفائزة في مسابقة الكاتب الشاب لمؤسسة عبد المحسن القطان للعام 2018.

 

تشابكات إنسانية

يقدم أحمد جابر في ”السيد أزرق في السينما“ نثرًا ملغمًا متنوعًا ما بين القصص القصيرة، والقصيرة جدًا. ويحتوي طرحه على مجموعة من الأفكار الغريبة حول العديد من التشابكات الإنسانية مع الحياة، مثل الفراغ، والوِحدة، والشك والعزلة. ويعبر عن ذلك، من خلال طريقة سرد منمقة، تشتمل على متطلبات الفن القصصي، بما فيها من تفاعل للشخصيات مع الواقع المحيط، وكذلك أدوات النثر الفنية. فيتميز نص جابر بالأسئلة الجوانية، وأسلوبية التلميح حول العديد من الانطباعات الإنسانية عن العالم. وتتسم لغة الكاتب الفلسطيني بالغموض، كطريقة فنية في إعمال الحواس الإنسانية. ولا يخلو السرد القصصي عند جابر من متعة التشويق، بما يشغله من مطبات متعددة مع المواقف والأحداث.

 

مقامرة مع الحواس

ويتنوع عند جابر، هيكل الشخصيات، فيقوم ببناء أبطاله، بناءً بالإرباك، بما تشتمله الشخصية لديه، من خروج عن المألوف، والواقعي، وكذلك المثالي. وبذلك التغريب يهدف الكاتب إلى لفت انتباه المتلقي، لمنطقة جديدة من التفاعل، والمقامرة مع الحواس. فالشخصية عند جابر هي مساحة من الخلط بين الواقعي والخيالي. ويمارس الكاتب الفلسطيني إسقاطاته، عامدًا إلى خلق ثيمة محدثة، تحمل الهم الإنساني إلى منطقة فنية تكشف غموض العالم، وكذلك غموض الإنسان.

 

توتر نفسي

وقد عبّرت شخصيات جابر المتوترة نفسيًا عن عدم قدرة الإنسان العربي في الانسجام مع تفاصيل واقعه، والانخراط فيها. ومن الملفت، قيام جابر بإعطاء شخصياته الأسماء الغربية، منفصلًا بذلك عن البيئة المحيطة به، واعتبارات متعددة تتعلق بالمجتمع الفلسطيني، والعربي كذلك. لربما تكون محاولة منه لتوحيد الهاجس الإنساني، ونقل صورة كاملة له، تتسم بالعالمية.

 

ذكاء المودل

عدا عن اهتمام جابر بمكنون شخصياته الملتبس، فإنه قام بإكساب شخصياته، بما يمكن تسميته ”ذكاء المودل السينمائي“ حيث إن ما وضعه من لمسات تخص مكانة الشخصية، وزاويتها، وفكرتها، وطريقة تمثيلها، يحدث بها مناطق إضاءة وإعتام، ومع كل حركة تمثل تحت الضوء، تتخلق فكرة جديدة. وكأن شخصياته لا تغادر بلاتوه العالم، ومستمرة في عملها الفني.

 

تحريك الماء

ويمكن اعتبار قصص جابر، بمثابة تمارين مع الداخل الإنساني، أو هرولة ذهنية، من أجل تغيير أماكن الإحساس بالأشياء، من مواطنها القديمة، بهدف الوصول إلى مساحة أبعد. وتقوم قصص الكاتب الفلسطيني، بخلخلة القناعات إلى فضاء متسع من الأفكار؛ لما فيها من لا مركزية، ولا هدفية، لدى الكاتب. فهو لا يريد أن يخترق الماء، بقدر ما يريد أن يحركه.

 

امتدادات وذيول

في قصة كافكا، يعيد جابر الكاتب العملاق إلى العالم، ويلبسه شخصية بائسة، مختبئة من الناس. كل ما يأمله، أن لا يراه أحد. فهو يسوق خوفه أمامه، أو العكس، معبرًا عن كم احتباسه، لمجرد شعوره بأنه مكشوف لمن حوله. متأملًا في أن كتاباته قد طواها الزمن، بعد موته، ولم يعد أحد يقرأها، راجيًا بذلك الانتهاء الكامل، بلا امتدادات، أو ذيول.

 

تمركز

ويتطرق جابر من خلال قصة إيلي ودارسيو، إلى مسألة رؤية الإنسان للكون الفسيح، بما يحمله ذلك من نقص دائم، هذا في حال تمركزنا عند زاوية صحيحة، وهو ما لا يحدث في الأغلب، فالإنسان في كل مرة يعتقد نفسه قد أمسك بالرؤية الصحيحة للأشياء، ويكتشف بعد تجربة جديدة، بأن ذلك إما كان وهمًا، أو قناعة تحتاج لأن تكتمل.

 

نحت وتشكيل

وفي قصة ”لوحة خالدة“ يعيد القاص الفلسطيني تجديد الملحمة بين الفن والواقع، بقالب فني يقوم على صراع قديم بين المجتمع، وهو ما جسده جابر بشخصية العمدة، التي مثلت هرم المجتمع القمعي، وشخصية الفنان، الذي حفظ لوحته الخالدة، غير القابلة للعرض، لأنها في تشكيل متواصل، ويدخل في كل تقاطع مع الزمكان، إحساس فني جديد ضمن تشكيلها. فيقول جابر:“ لن تستطيع أن تأخذ اللوحة أيها العمدة، لأن الجلاد الغبي أتلفها بسوطه“. هو أراد بذلك أن يرمي إلى أن الأجساد تتلف، والهياكل، لكن الفكرة لا تفعل ذلك. هي قناعة من محراب محمود درويش حين قال: ”هزمتك يا موت الفنون جميعها“.

 

سفر حتمي

أما قصة الكاتب ك، فيذهب جابر إلى البعد الآخر من العالم، ويضع فكرته عن الموت، بين احتمالين، فيقول: ”الأول: إن الحياة هناك فائقة الروعة، حيث يعيش البشر بسلام، متخلين عن تعصباتهم. والثاني: إنهم محبوسون، ولم يستطع أحد منهم فك لغز العودة، حتى الآن. وفي كليهما، تجد ميورتي العالم الآخر، جديرًا بالسفر إليه“.

 

احتمالات

وفي قصته ”طريق بلا قدر“ يحاول الكاتب الفلسطيني، أن يعبر عن حيرة الإنسان مع الطريق، فالإمساك في طرف، لا يعني أنه أمسك الكل. وهنالك خلف البداية دائمًا ما يخفيه المستقبل عن الإنسان، كتحقيق لحبكة قصته مع العالم. فالشخصية التي أطلقها جابر، اعتمدت على ما تظهره العملة المعدنية، بعد إسقاطها، من صورة أو كتابة، تعتبر بمثابة إقرار بتواطؤ الإنسان مع الصدفة، لا رغبة بذلك، لكنها سطوة الاحتمالات.

العديد من الأدوات الفنية القصصية الملفتة، امتلكها أحمد جابر في مجموعته القصصية، بما تحمله من عبارات تلميحية، متقافزة بين الواقعي والخيالي، ومقدرة على العدو بينهما. كما امتلك جابر الخفة في تحريك الأشياء، بذكاء لغته، ودرايته المعرفية، دامجًا بذلك أشكالًا متنوعة من مسارات الفنون.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com