تلغيز مستمر للأحداث في ”رحلات في حجرة الكتابة“ للأمريكي بول أوستر

تلغيز مستمر للأحداث في ”رحلات في حجرة الكتابة“ للأمريكي بول أوستر

المصدر: حسام معروف - إرم نيوز

مزيج من الدراما الغامضة، واللوحات الفنية الممتلئة بالخطوط والمعاني، يقدمه الروائي الأمريكي في روايته ”رحلات في حجرة الكتابة“، والصادرة عن دار المتوسط أواخر 2017. وبترجمة الفلسطيني سامر أبو هواش.

فسيفساء

يقدم ”أوستر“ روايته، عبر نظام سردي متقن، دقيق التشكيل، ويأخذنا معه إلى تأويلات عميقة، شديدة التأثير.

ويمتلك الكاتب الأمريكي الحيلة والمراسة في صنع جو متشابك بخيط سرد وحيد، لكنه يمارس الالتفاف حول ذاته، حتى يصير البطل ”بلانك“ في ورطة درامية، حيث عليه بقدراته العقلية البسيطة أن يخرج من متاهة ضياعه وحيرته، أمام اعترافات خطها ”سيغموند“.

الوعي والتكسر

وتبدو فكرة الصورة من الأعلى راسخة في خيال ”أوستر“ أثناء الكتابة، وهي حيلة مرغوبة في التنقيب عن الهزيل في الحدث، ليكون مثار الجدل في الدراما. هي طريقة تكبير العينات تحت العين المجردة، لتكون أكثر صلابة في طرق الوعي الإنساني، هنا تتم عملية التكسير، فأيهما يتكسر أولًا، يكون محطة الجدل الروائي.

هل الصورة تنقل الحقيقة كاملة؟

ومن المثير في شخصية ”بلانك“، اختيار ”أوستر“ لها بصفات الشيخوخة، والأهم في ذلك فقدان الذاكرة.

ويستخدم الروائي الأمريكي مع القارئ أداة التجريب مع الشخصيات، بحيث يستفز عقل ”بلانك“ من خلال تمرير الصور أمام عينيه، مرفقة بدخول شخصيات متنوعة، تعامل معها سابقًا، قبل فقدانه لمخزن ذكرياته. ويقول ”أوستر“ عن ذلك: ”الصور الفوتوغرافية لا تكذب، وفي الوقت نفسه، لا تروي القصة الكاملة، هي مجرد سجل عن مرور الزمن، الدليل البرّاني على ذلك“.

تلغيز

وعلى صعيد البناء الروائي، يعمد ”أوستر“ إلى جعل النص السردي لديه ملغزًا بشكل مستمر، وبطريقة أخرى يقوم بتوزيع البؤر المضيئة في طرحه، في مناطق مختلفة من شبكة السرد، كيْلا يغيب عن القارئ وهج الشيء المستتر، وكأنما هنالك شيء مفقود، وعليك أن تبذل الجهد لجمعه.

احتمالات أوستر

ويتضح في فضاء ”أوستر“ كم الاحتمالات غير المتوقع في تعامله مع شخصياته، فهو يبرهن على أن قيمة الشخصية لا في صنعها، وبنائها الدرامي، بل في تتبع الكاتب تأثيرات الشخصيات الأخرى عليها، وزرع ألغام فلسفية في طريق شخصياته، كحلقات اختبار، وبذلك يتكاثر الفعل السردي ويربو.

فلا يضع الكاتب ثمار سرده في سلة وحيدة، حيث لا يكمن جمال السرد في استرساله فقط، إنما في تلغيزه. ووضح ذلك جليًا، في تطرق ”بلانك“ للتحليل النفسي لأبطال تقرير ”سيغموند“، فكان لا بد لبلانك من إيجاد تصور لتكملة القصة المخبأ نصفها الأخير، نقلات متنوعة من الغموض المستمر، يحافظ عليه الروائي الأمريكي، في تركيبه البطيء للأحداث.

وعن ذاكرة ”بلانك“ الهاربة، يضفي ”أوستر“ لهذه الشخصية المفرغة من فعل الزمن، صفات غير متكررة، وتظهر أشعة من العاطفة في النص، إحساس يراودك بالنقص مع شخصية ”بلانك“، بالقصور أمام ارتقاء اللغة هنا، كما لو أنك تريد أن تتذكر عنه.

اختلاف

كما ويتطرق ”أوستر“ إلى التركيبة العقلية البشرية القائمة على الاختلاف والتعددية، من خلال التقاط صورة النهاية للإنسان عند الشعوب، فيكتب: ”شعب التاكا في الشرق يدفنون موتاهم مثلنا، وشعب الغانجي في الغرب، يضعون موتاهم على منصة عالية، ويتركون الجثمان حتى يتحلل في الشمس، وشعب التكرو في الجنوب، يحرقون موتاهم، أما الفاهانتو في الشمال، فيطهون الجثث، ويأكلونها. يمكننا عد ذلك إساءة للرب، ولكن بالنسبة إليهم، فإن هذا طقس مقدس“.

بيكيت

وفي ختام حلقات المتاهة يصل بنا ”أوستر“ إلى خلاصة صراعه مع شخصياته، التي هو في الأصل أسس لها، لكنه صار في ورطة الحوار مع ذوات لم يكن يرسم لها هذا المسار، فكان ما كتبه: ”سوف نعيش أكثر من العقل الذي ابتدعنا، إذ ما أن نُرمى في العالم، حتى نواصل العيش إلى الأبد، وقصصنا تروى دومًا، حتى بعد موتنا“.

إن ”أوستر“ وبمثل هذا المنحى، يقترب من تشظي العملاق ”صموئيل بيكيت“ في تعددية تأويل الطرح، فيلقي بعدة أصوات في عقل الشخصية، ويقيم حوارًا صوتيًا، كمن يفكر بصوت عالٍ، متاهات متعددة أمام القارئ عليه أن يمر عليها.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com