قصص“ماذا نفعل بدون كالفينو“ للعراقي ضياء جبيلي.. متانة الاستعارة وعمق اللغة

قصص“ماذا نفعل بدون كالفينو“ للعراقي ضياء جبيلي.. متانة الاستعارة وعمق اللغة

المصدر: حسام معروف - إرم نيوز

صور متنوعة، وأحاسيس غير مألوفة، يقدمها القاص والروائي العراقي ”ضياء جبيلي“، في مجموعته ”ماذا نفعل بدون كالفينو“، الفائزة بجائزة الطيب صالح، للعام 2017. والصادرة مشتركة، عن دار شهريار، ودار الرافدين للنشر والتوزيع.

مقهى شعبي

يعزز جبيلي من تواجد اللغة البسيطة السهلة، بما فيها من ميل إلى أسلوب الحكواتي، فكأنما حواس القارئ تنتقل بكافة شغفها إلى مقهى شعبي في العراق، ويجلس الحكاء بين ملايين الحواس، يستدرج الأحاسيس غير المألوفة، أو ليس الإنسان آلة راكدة دون أن تنفعل تلك الحواس. وهنا برع القاص العراقي في تدوير هذه الحواس كمن يحرك طواحين هواء بكلتا يديه. هو ما يرجوه السرد، ولهذا وجد، أنه يخلق حالة من التعميق، وكأنما حجر السرد ألقي دون قصد، أو بتلك النسبة غير المرئية من القصدية، لتنطلق دوائر لا متناهية، ليس على السطح قط، بل على كافة مستويات الماء. يا له من أثر، ذلك الذي تشقّه أدوات الكتابة في طين الإنسان. لكنها المهمة الشاقة، أن يستطيع الكاتب تحويل طين جاف، ليستعيد رطوبته الداخلية، بغية تشكيل آخر.. وهو ما نجح جبيلي في تنفيذه أكثر من مرة. إنها فلسفة تعريف الإنسان، لا يكون لها مقاييس، طالما أنها في قبو الأديب.

تجميد الزمن

ففي قصة ”المستشفى التشيكي“ يسعى القاص العراقي إلى تجميد فعلة الزمن على ملامح الإنسان، بعدما يبعث ملامح كافكا الموارى في ترابه، منذ مائة عام. لم ينتصر جبيلي إلا في خياله، وكذلك من خلال الرابط الحسي الذي استمر في مده للقارئ بواسطة لغته الرشيقة.

شبابيك

وبأسلوبية فانتازية، يلامس جبيلي التمرد، بحيث يكون المعنى بأجنحة خاصة، شبيهة لتلك التي امتلكها نادر. وبلغة التلميح، يعزز جبيلي أدواته المتنوعة في السرد، فكلماته الخالية من الشعر، تجري مثل ماء نهر على موسيقاها الداخلية.

إنها شاعرية متوارية خلف أفكاره، دومًا كان منتبهًا لشق الأماكن لشبابيك الحواس، بين سطور نصه.

شريط أسود

كما استخدم جبيلي الإشارات في سرده. فلم يكن الشريط الأسود على يمين الصورة، واقفًا عند حده الظاهري، بل كان يستعيد ذاكرة واسعة لكل الموتى في خيالنا، فهذا الطفل المدفوع إلى برواز صورة، بإشارة سوداء، هو أيضًا انتقل إلى ذاكرة الزمن، ميتًا حتى لو عاش عشرات السنين، فقط لأنه فقد حريته. لقد استحال في ذاكرتنا إلى صورة لا أكثر.

وما يؤخذ في هذه القصة على الكاتب، بأن إيحائية جمع الريش المنتوف، ليكون وسادة لطفل آخر، لم تكن واضحة، بما أننا في قبو السرد، غموضه وإدهاشه، في بساطة الفكرة، لا في تراكبها.

غزل البنات

وفي مكان آخر، خلط جبيلي بين الحلوى ”غزل البنات“ وبين غصة الألم. في قصة ”المتهجّي“. فكأنما قصدية هنالك أرادها الكاتب، في إظهار وجع ما بعد المعرفة؛ حين قام بربط تعليم ربيع القراءة، لتكون طريقة جديدة لاستيعاب الحزن، فكان للمعرفة هنا دور البطولة، في كشف إصابة السرطان للطفلة التي طمح إلى شبيهة لها، لتكون ابنته. فكانت هي تصارع حربها، وتعوض عن تساقط شعرها، بحلوى غزل البنات الذي يبيعه ربيع.

عملية الربط التحابكي، وبعث الرجفة في نفس القارئ، واختيار مناطق الغزو، ونقاط تعرية العاطفة، كلها أدوات مدروسة لدى جبيلي، عززها في أكثر من موقف، بصفعة لغوية، تثير الارتباك.

أنسنة الأشياء

أما قصة ”التلويح“، فسيتخدم الكاتب العراقي، سلطة خياله ليصنع أبطاله غير المؤطرين، فهو لطالما يمسح إطارًا من أربع تحد سطح شخصيته، لتهرب منه الشخصية، إلى حيث إمكانية التدهيش. فيأتي هنا ببطله يلاحق حلمه، يسمع لجنونه، لا لعقل الناس. ويسلط إنارته، جبيلي، على فلسفة دمج الأشياء الجمادية، بحيث تمارس التنفس والنبض، كما الإنسان؛ وتنقل أحاسيس العشق، حينما تخبر الطبيعة بأنك تحب شخصًا، فالوصول يكون بشكل أكثر عُجبة.

ويبرز الكاتب العراقي وجه المأساة في قصته، حين تلوح يد العشيقة، التي لطالما ظهرت بصمتها، وثباتها. لقد لوحت لعشيقها، بينما هو يلفظ آخر أنفاسه، منسابًا، في الماء. مثل حمامة انتظرت أحدهم أن يموت، لتطير. كما حال الشاعر غالبًا، تنتظره قصائده، ليموت، كي تبدأ التحليق.

وامتلك جبيلي القدرة على إحداث الإرباك من خلال أفكاره، كذلك في قصة ”بيضة“. فتمكن من خلق سؤال على شكل دائرة، ليبرز فظاعة الفقد. وبنى بأسلوبه تدرجات للألم، بفقد الأب، وحيلة الجد، في وضع بيضة تحت الديك، كانتظار لعودة الأب. وتغلق الدائرة حول الطفل لتحول سؤاله، إلى جدار دائم بينه وبين الحقيقة، أن الميت لا يعود. إنها متانة استعارية يجب ملاحظتها في نص جبيلي. فهو لا يجرب في منحى استعارات الكلمات، إلا قليلًا. لكنه يربط المفاهيم الوجودية، ويربطها، كاستعارة، تحت كلماته.

طمس

وعن قصة ”المتسولة“، فلقد افتقرت إلى نسبة الغرابة المتاحة في سابقاتها من القصص، فكان متوقعًا بأن المتسولة تجني المال من خلال استعطاف بعلة ما، خاصة وأن الكاتب أعطى تلميحًا مسبقًا عن تركيز الفتيات على صدر المرأة المتسولة، الذي أوضح من بعدها، إصابته بالسرطان.

وذلك الذي تربى مسخه على جسده، في قصة “ محنة“ ويكشف هنا الكاتب عن آلية الطمس التي تمارسها الحياة على كيانية الإنسان، حتى تصبح بينه وبين ذاته، تلك الفجوة التي تمسخ وجوده. وعن عنوان القصة، فكان من الممكن أن يختار الكاتب عنوانًا يكمل أثر سرده.

رائحة الميت

وأخيرًا، في قصة ”حسيبة“، فهو ككاتب يداعب لحظة الألم، للوصول للحظة أكبر، إنه فن تأجيل الفاجعة، بحيث تعرف الأم بأن ابنها الميت في الحرب، لن يعود في رداء لص، حتى لو عرفت رائحته في الحياة، لن تعرف رائحته في الموت.

فكانت تلك حيلة جبيلي، في بث الحيرة، في النفس. بشخصياته غير المعتادة، وطريقته التي تشبه ”كابينة القطار“ العربة الأولى التي تسحب ما بعدها إلى محطات الوقوف، أو بمعنى آخر ”الاختفاء“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com