الوِحدة لا تحتاج إلى تفسير.. في المجموعة الشعرية ”شخير“ للفلسطينية رزان بنورة

الوِحدة لا تحتاج إلى تفسير.. في المجموعة الشعرية ”شخير“ للفلسطينية رزان بنورة

المصدر: حسام معروف - إرم نيوز

سيل من المعاني الإنسانية التجريبية، وتأملات الداخل، هو ما تقدمه الشاعرة الفلسطينية رزان بنورة، في مجموعتها الشعرية ”شخير“ الصادرة عن دار الأهلية للنشر والتوزيع 2018، والفائزة بالمرتبة الثانية لمسابقة عبد المحسن القطان للشاعر الشاب في فلسطين.

تقطيعات

يتميز النص الشعري للشاعرة بالحركة والصوت، بما يشابه التقنيات السينمائية، فكأنها تراقب التجربة الإنسانية في ظروفها التي تومئ إلى لا هدفية أصيلة للحياة، وترصد عن كثب وبطريقة السخرية، والتناقض، والجدل، سلسلة من الأحداث والقناعات حول المجتمع المحيط، التي تجعل منه قطيعًا من الجثث العائمة على الماء، ولا تتفتت الأحاسيس السوداء عند ”بنورة“، حتى عندما يخط شعاع من الأمل في وعيها، بل يفضح ذلك التناقض، تلك القدرة العجيبة للحياة على تحليل جسد الإنسان، إلى غباره الأخير.

اللوغوس العربي

في الغالب تتخلى رزان بنورة عن الكثافة الشعرية، بطريقة الدمج بين التمهيد الشِعري، المائل إلى السرد، ومن ثم تكَثف عمق المعنى، بجملة تصنع أثر اللغة المرجو، شِعريًا.

ويتسم شِعر الشاعرة الفلسطينية بالتجريدية العالية في الطرح، والجرأة في المحتوى، إلى حد ملامسة السقف في الحرية، وتستعرض عددًا ليس بالقليل من هواجس المرأة، بل والفرد، في مجتمع اللوغوس العربي، وتتحدى بأفكارها الهوائية، تلك القيود المتراكمة، تحت بند المنطق، والعرف، والتسيير على طريق غير قابل لأن يُلْمَس، وغير جدير للانتماء؛ لأنه أصبح وبكل بساطة، خارج حدود التحليل السليم للعقل الإنساني.

وتختار ”بنورة“ في افتتاحية نصوصها نص ”شخير“ ليكون تعريفًا عن الكم الرهيب من الفوضى، الذي تعلق فيه، داخلها، الشخير هو سمة في النوم الإنساني، أما عند ”بنورة“ فيحمل دلالة أخرى، فبينما هي تمارس الحلم، يحكم عليها من حولها، بأنها تشخر، وتؤذي حواسهم، على الرغم من أنها تلمس بعالمها الداخلي، ما لا يستطيعون لمسه، وما تتمنى لهم أن يتفهموه، فتقول الشاعرة الفلسطينية: ”أقول أحلم كثيرًا، ويقولون أنهم لا يسمعون إلا شخيري“.

إعتام

وعن الوجود، تترافع ”بنورة“ بحكم عملها في القانون، عن الإنسانية بأسرها، وتحمل قضية المتاهة الوجودية التي تعتري الفرد وحده، وكذلك الوعي الجمعي للبشر، أمام محاكم متعددة، منها الدينية، ومنها الوضعية، حيث يبذر الإنسان أسئلة في التراب الوجودي، فلا نبتة كُتب لها العيش مع الإنسان المتأمل، سوى الوِحدة. فتقول بنورة: ”عالقة أنا في متاهة وجودي، كذبابة عالقة في عبوة زجاجية، وأفكر أي موت أرحم، أن ينتهي الأكسجين، أو أن يتكسر زجاج العبوة“.

وفي ديوان ”شخير“ لا يتواجد إلا الألوان المعتمة، فالأحمر، والأسود، والأزرق القاتم، ألوان النفس المثقلة بالهاجس، والجنون، ويتملكها القافز من القافلة؛ ليصف للناس، لعلها منطقة حياة خاصة، أو تلك التي تتواجد فعلًا في قاعة السينما، هي المساحة المخفية، التي تراقب منها ”بنورة“ الفعل الإنساني كما أوضحت ذلك في شِعرها، حين تقول: ”أرافق هذا العظيم ألمي“. هذا ما تشعر به أمام السينما الكبيرة، سينما العالم.

وتقول في الأحمر مثالًا:

”الأحمر لوني، ليس لأنه لون الحب أحمر،

ولا لأن لون الدم أحمر،

بل لأن كل الطرق التي بدأتها بالحب،

انتهت بالدماء!

الأحمر لوني،

لأني محكوم عليّ بالحياة،

لأنني على استعداد دائم للحظة إعدام“.

وفي اللحظة التي تحدثت فيها ”بنورة“ عن الألم، قالت عنه ساخرة:

بي أمل،

لا أشك في ذلك،

دميتي التي قصصت شعرها، في التاسعة من عمري،

ما زلت حتى الآن،

أنتظره، لينمو!.

تفريغ ضغط

وما يلفت الانتباه، أن رزان بنورة، تكتب شِعرها في غالبية القصائد، بضمير المتكلم، فكأنها لم تكن لتكتب قط، بل كانت تبوح بما يضمن لها التفريغ من ضغط الألم الذي عظّمته، داخلها، وهو من جانب آخر مدلول على شدة إيغالها في ذاتها، وكثرة ما تحمله هذه الذات من تناقضات، وحمل إنساني.

كما ويكثر في شِعر ”بنورة“ تناول الخسارة والوهن، والحيرة، والفراق، والاعترافات، والغياب، وفقدان القيمة، والتيه، تلك الأصوات الحزينة للحواس، تعبر عنها الشاعرة، بأسلوب صريح تارة، وتلميحي، تارة أخرى.

كونسيلر

وتتعدد في مجموعة الشاعرة الفلسطينية العناوين الغريبة، مثل ”فلات فوت، آل زهايمر، كونسيلر“. كنوع من التجريب الشكلي والإيحائي، لأدوات القصيدة، فهي كما أفكارها، بقدر ما فيها من بساطة وتلقائية، فيها من تأملية شاهقة، وإغراق في الهامشيات اليومية، فمن المقهى القديم تقول بنورة: ”في المقهى القديم، يتكرر إحساسي، ولا يتكرر النص.. تتكرر الأوجه والأيام نفسها، وأنا وحدي“.

وتعترف بنورة شِعريًا بالخسارة مع كل شيء، حين تقول: ”وأعترف بأنني في كل مرة أعد أغنيات نجاحي، وأعد رقصات الفشل، وأنني دائمًا أفك شعري، وأرقص“، وبحركة المغادر تلتفت بنورة لتقول عن جدلها الداخلي: ”بينما أغلق الباب يرتفع صوته: إلى أين؟ فأتمتم: للبحث عني“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com