ديوان ”أصيد طائر كوليريدج“ تجسيد جارح لمأساة الواقع السوري المعاصر

ديوان ”أصيد طائر كوليريدج“ تجسيد جارح لمأساة الواقع السوري المعاصر

المصدر: مهند الحميدي - إرم نيوز

يسعى الشاعر السوري أحمد م أحمد إلى توريط القارئ في نصوص ديوانه الصادر حديثًا؛ ”أصيد طائر كوليريدج“، من خلال مصيدة الاستنزاف العاطفي وتسليط الضوء على مأساة الواقع السوري المعاصر.

ويستغني الكاتب في غلاف الديوان عن لفظة ”طائر“ ليستعيض عنها برسم لطائر، في دمج للأبجدية بالكتابة المقطعية المُعتمِدة على الرمز، وما له من إيحاءات تشي باستخفاف الشاعر بمفردات الحضارة وأدواتها التي امتهنت روح البشر، حتى وإن كانت تلك الأدوات إحدى أسمى ما ابتكرته البشرية خلال تاريخها؛ ألا وهي الكتابة الأبجدية.

نصوص أحمد متقطعة كغلاف ديوانه، وهي بعيدة عن سلاسة اللغة التي عهدناها في أعماله السابقة، كلماته حادة ومباشرة وجارحة، وكأنه يسعى من خلالها إلى إحداث فجوة في وجدان القارئ؛ ليقول له إن ما حدث لم يكن بالأمر البسيط، وإن واقعًا كالذي نعايشه يجب أن يكتب بألفاظ خادشة غير اعتيادية.

تكثر في الديوان الألفاظ المعبرة عن الموت والقلق والألم، صاغها الشاعر في قالب جمالي فني، وفق مدرسةِ جمالية القبح، ليقف القارئ أمام نص صادم، ولكنه مُحفِّز على الحركة في الوقت ذاته؛ يقول أحمد في إحدى قصائده:

”جنائزيٌّ سِفْرُنا الأخيرُ/ حبيبان كحَدَّيّ شفرة (الناسيت)/ تبتلعين، مذعورةً، ما استطعتِ مِنّي في حمَّى الجنسِ الأخير/ وأنا.. ألوذُ بالأرضِ اليبابِ/ أُدرِّبُ سُعالي/ على ألا يشبهَ سعالَ أبي“.

ويستمر الشاعر في بث الحياة في الكلمات، ومنحها صفات الكائن الحي، علها تتمكن من وضع تصور صادق لواقع صادم، في حرب خرجت عن المألوف وتجاوزت معايير المنطق والأخلاق؛ يقول أحمد: ”هذه العشبةُ العطشى التي تشمُّ رائحة الغيم البعيد/ ثم لا يأتي الغيمُ.. اسمها كلمة“.

ويلجأ الشاعر في مناحٍ أخرى من نصوصه إلى الرمز والأسطورة؛ ولسان حاله يقول إن اللغة البسيطة ما عادت قادرة على وصف الواقع المتردي، عله يجد في التراث حاملًا لرسالته، معنونًا نصوصه بعناوين تشبه مفترقات الطرق بمنحنيات حادة وقاسية، في مدينة منسية هجرها أهلها على عجل.

يقول أحمد في مقطع عنوانه ”ظلالٌ تتفصَّد بالدَّم في حفل تصحيح الأخطاء“: ”كنتُ العسكريَّ في الأرض البعيدة/ لم أعرف مع مَن، أو ضدَّ مَن قاتلتُ!/ لم أخشَ أن تنهشني جثّتي في نعشٍ مظلم واحد/ بقدر ما خشيتُ من فكرة أن ليس لديَّ من يتذكَّرني ويبكيني..

كنتُ القطَّةَ على حافَّة سطح الطابق التاسع/ ورائي الهاوية/ وأمامي يأتي ولدٌ شرير ملوِّحًا بعصاه!/ حين كان الليلُ طفلًا، كنتُ أتبارى معه مَن يبزُّ الآخرَ بالسَّواد/ كان ذلك في فناءِ المنزل العتيق المهجور“.

ديوان أحمد مجموعة من القصائد النثرية عن الحرب والجنون والدمار ومملكة الغابة التي يعيش فيها البشر، وسط توحش بلغ منتهاه؛ نرى فيه دبابات آكلة للحوم، ونطالع مذابح ومجازر ومقابر جماعية، ونغوص في فلسفة وجودية تطرح أسئلة حائرة عن الإله والتاريخ والميتافيزيقا، مع تداخل الواقع بالخيال وغياب الحد الفاصل بينهما، ليتمادى القهر ويتنمَّر الموت.

في الديوان، الذي يقع في 104 صفحات من القطع المتوسط، نطالع نصًا عن جرو يترنَّم بأغنيةٍ وموتٍ أنيق بنيران صديقة، ونلمح شاعرًا يتغطَّى بساعات سلفادور دالي، ونتابع تجربة أبطال يتدربون على تجربة غرقٍ أكيد، وطفل سوري يصرخ من بطنه: ”سأُخبر الله عمَّا رأيت“.

الشاعر في سطور

أحمد م أحمد، شاعر وكاتب ومترجم من سوريا، صدرت له المجموعة القصصية ”جمجمة الوقت“ عام 1993، ونصوص ”أحرق سفنه إلا نعشًا“ عام 2014، وله مجموعة أعمال مترجمة؛ منها ”رجل في الظلام“ للكاتب بول أوستر ترجمها عام 2010.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com