هاجس الخوف يلف مجموعة ”زوجة تنين أخضر“ للكاتبة روعة سنبل

هاجس الخوف يلف مجموعة ”زوجة تنين أخضر“ للكاتبة روعة سنبل

المصدر: مهند الحميدي – إرم نيوز

على الرغم من محاولتها إضفاء تنوع لوني في مجموعتها القصصية ”زوجة تنين أخضر“ طغى السواد على قصص الكاتبة السورية روعة سنبل، وفرضه هاجس الخوف المتجسد في ثنايا المجموعة الصادرة حديثًا.

والمجموعة من إصدارات مؤسسة ”الآن ناشرون وموزعون“ في العاصمة الأردنية عمان، وتقع في 180 صفحة من القطع المتوسط، وتتضمن 5 فصول تضم 18 قصة؛ تتفاوت في أطوالها، إذ يصل بعضها إلى 1800 كلمة، بينما جاء بعضها في حوالي 400 كلمة.

واختارت سنبل كائن التنين الخرافي ليكون جزءًا من العنوان الرئيس، محملة المجموعة أبعادًا أسطورية، تثري حالة الحلم والتخييل، ليجسد العنوان -وارتباطه بكائن يحتمل تأويلات متناقضة بين الخير والشر، النور والنار- الصراع الداخلي في القصص ومحاولات الإنسان القديمة المتجددة لمقاومة الألم بالحلم.

ويعكس العنوان الفرعي ”وقصص ملونة أخرى“ محتوى نصوص المجموعة، التي تتنقل بين ثقافات الشعوب، ليكون العنوان عتبة لما يليه، متَّكئةً على رمزية اللون ودلالاته النفسية والاجتماعية.

وقالت الكاتبة إن ”فصول المجموعة مصنفة على أساس لوني؛ وهذا التقسيم كان أشبه بلعبة استمتعت بها، فالأسود لا ضوء ولا لون له، وهو الذي افتتحت به المجموعة، ثم تتالى ألوان ثلاثة أساسية، بحسب النموذج المعروف أحمر، أخضر، أزرق، في لحظة ما تتمازج هذه الألوان لنحصل على الأبيض، وهو اللون الذي اختتمت به المجموعة، ولم أحفل كثيرًا أثناء توزيع القصص بانطباعاتنا المتعارف عليها حول الألوان، بل حاولت البحث عن الروابط غير المألوفة معها“.

وبينت في حديث خاص لـ“إرم نيوز“ أن المجموعة يفتتحها صبي في التاسعة، فتقول:“نراه طوال القصة بهدوء خلف قطته السوداء، سوادها الحالك هو يقينه وطمأنينته الوحيدة في زمن الحرب، بينما في آخر المجموعة، في قصة ”دلو في رأسي“ نكتشف أن الأبيض في الحقيقة لون خانق، نشم رائحته الواخزة مع  امرأة ستينية وحيدة تحشر رأسها في دلو لبن فارغ.

وأضافت:“أردتُ أن أحدد هاجسًا واحدًا يجمع القصص، فهو الخوف؛ خوف يسيح هواجس ملونة على طول المجموعة، خوف من الموت، ومن الحياة مع الحرب، خوف من ثمن الكلام، ومن ثقل الصمت، خوف من الوحدة، ومن الحب، خوف حتى من أجسادنا التي قد تخذلنا، ومن أحلامنا التي قد تُورطنا“.

وتابعت:“ربما يمكنني القول إن اختياري لهذه القصص بالتحديد، وجمعها معًا، محاولة لمجابهة مخاوفنا جميعًا، بجعلها حكايات، وبصبغها بالألوان؟ لا أدري حقًا.. أراهن على قرّاء قد يتعرفون على ذواتهم أكثر حين يقرأون هذه القصص، قد يفهمون أنفسهم أفضل، وقد نكتشف معًا الكيانات الهشة النائمة داخل كل منا، الكيانات الجوعى أبدًا للحب وللفرح وللآخرين“.

وظل التواجد الذكوري في المجموعة قليلًا نسبيًا، لكنه متنوع، فهناك فتى التاسعة وقطته، وثمة رضيع في القصة ”بعيدًا عن هذا البلد“ يروي الحرب كما يراها من مهده، وسمحت الكاتبة لستيني أشيب أن يطفو في الهواء كبالون من الهيليوم في قصة ”مطر لطقس لاهب“ وحققت حلمًا صغيرًا لحارس مدرسة بسيط، فمنحته ابتسامة واسعة حد البلاهة في السطر الأخير من قصة ”حكاية رجل سعيد“ وأعطت 3 رجال آخرين أدوارًا مميزة؛ كرواة للقصص، لكنهم كانوا رواة غير حياديين، بل جعلتهم متورطين في الحكايات.

وطغى في المجموعة الحضور النسائي، نساء كثيرات تعيش معظمهن عند حواف الجنون، وعلى أعتاب الحلم؛ كما يظهر في قصة ”جدائل“ التي تروي حكاية امرأتين مهووستين بصنع الجدائل تسكنان جسدًا واحدًا.

وتقول الكاتبة على لسان بطلة القصة:“همسَت لي قبل قليل المرأة المصابة بمتلازمة صنع الجدائل، التي تسكن معي في جسدي، همسَت وهي توقظني من نومي، قصَّت جديلتي الطويلة، وجلسَت على حافة سريري، ربطتها بإحكام مع جدائل أخرى كثيرة شقراء وسوداء وبنية، خرجنا معًا إلى الشرفة، سحبَت كرسيًا وساعدَتني لأصعد عليه، أحضرَت مبتسمة حبل الجدائل، ضمَّتني بشدة وهي تبكي. تضعُ المرأة الآن الحبل حول عنقي، تبتعد قليلًا، تهمس بصوت حالكٍ كالليل حولنا: -الجدائل خلاص. ثم تركل بقدمها الكرسي ليقع، تركله وهي تضحك“.

وفي قصة ”علاء الدين وامرأة تحلم“ تبقى بطلة القصة عالقة في حلمها مع بطل حكايتها المفضلة، في حين تصر امرأة أخرى قارئة لأدب بيسوا، على ارتداء دلو في رأسها، في ختام المجموعة.

وتعشق أخرى في أصغر قصص المجموعة رجلًا بلا رأس. بينما تتزوج إحداهن تنينًا أخضر تعيش معه في قلعة رمادية. وفي قصة أخرى تقتل امرأة ساحرًا يرتدي بزة سوداء، وفي القصة ذاتها تنكمش عاشقة وتعيش في جيب رجل تحبه.

وثمة امرأة في القصة ”تحت صدفة كتيمة“ تقضي ليلها في التحديق بشغف في أظافر وتجاعيد سلحف صغير تحبه. وفي قصة ”فيسبوك للموتى“ تكتب فتاة الرسائل للأموات عبر الماسينجر. أما في قصة ”ملح وماء“ نصادف في عمق البحر الأبيض المتوسط حورية بحر موظفة لدى المفوضية العليا لشؤون اللاجئين.

وينبت لامرأة أخرى في جسدها أغصان تقلمها، وجذور تقص رؤوسها في قصة ”طمث أخضر“ وتبدأ القصة الأخيرة ”ترحلين عنكِ“ من لحظة سقوط نهد امرأة في حوض الاستحمام، امرأة تبدو متصالحة تمامًا مع طقوس تساقطها.

وعلى الرغم من إيحاء الكاتبة مطالع القصص بواقعيتها، إلا أنها تنحو نحو غرائبية سحرية تمزج الواقع بالحلم بإتقان، مع الحفاظ على خصوصية التجربة الأدبية المحلية.

والمجموعة هي الثانية لسنبل، بعد مجموعة ”صياد الألسنة“ التي صدرت عن دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة العام 2017.

وقالت الكاتبة لـ“إرم نيوز“:“أتمنى أن أكون قد أحرزتُ تطورًا بعد مرور أعوام ثلاثة على عملي الأول، وأرى أنني كنت هنا أكثر جرأة فيما يتعلق بالتكنيكات المستخدمة في القص، أما بخصوص المضامين فقد نجحت الحرب في التسلل لبعض قصص هذه المجموعة، على الرغم من أنها كانت غائبة تمامًا في مجموعتي الأولى الصادرة في سني الحرب السورية. وكنتُ أقول دومًا إنني حبلى بأوجاع الحرب“.

واستدركت:“لكنني أعجز عن البوح بها، الآن وقد غادرتنا تقريبًا، يبدو أنني أستطيع إنجاب حكاياتها، فبالإضافة للمجموعة، كتبت نهاية العام الماضي نصًا مسرحيًا؛ بعنوان (أعشاش) وكتبتُ أيضًا رواية لليافعين، ما زالت مخطوطًا بعنوان (الشمس وظلها الأزرق) وفي العملين كانت الحرب خلفية بعيدة لكنها واضحة حاضرة“.

عن الكاتبة

وروعة سنبل، هي صيدلانية، مقيمة في العاصمة السورية دمشق، تكتب القصة القصيرة للكبار والأطفال، وتكتب في المسرح والرواية. حازت مجموعتها ”صياد الألسنة“ على المركز الأول في جائزة الشارقة للإبداع العربي عن دورتها العشرين العام 2017، وكان نصها المسرحي ”أعشاش“ واحدًا من 5 نصوص وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة راشد بن حمد الشرقي في دورتها الأولى عام 2019.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com