الروائي عمرو عزت يقدم تحليلًا لـ“علاقة الأبوة والبنوة“ في ”غرفة 304“

الروائي عمرو عزت يقدم تحليلًا لـ“علاقة الأبوة والبنوة“ في ”غرفة 304“

المصدر: حسام معروف - إرم نيوز

في منطقة جدلية قلما يتم تناولها، يقدم الروائي المصري عمرو عزت ملحمة فكرية، تتعلق بـ“المجايلة“، ويخوض في صميم العلاقة بين الآباء والأبناء، مقدمًا حالة جمالية ومعرفية تتسم بالإبداع. وذلك في روايته ”غرفة 304“ الصادرة عن دار الشروق للنشر والتوزيع 2018.

منحوتات أثرية

وتظهر في أسلوب الكاتب المصري قدرة على مقارنة الأحاسيس الإنسانية في كل حقبة زمنية عاصرها مع أبيه، وكذلك مع البيئة المحيطة به التي لطالما كانت تنبت له أيادٍ أبوية أخرى في طريق تشكله.

ولم يترك عزت الماضي في روايته قالبًا يختلط على القارئ ملمسه، بل كان مثل مرشد سياحي يرافق بالأحداث المكملة، الحدث الأساسي، كما وفي مكان آخر تناول ذلك ”أمبرتو إيكو“ بتساؤل: ”هل يمكنك أن تميز بين الزمن المحكي منذ ساعتين، والزمن المحكي منذ ألفي سنة؟“.

وفي سرد عزت يبدو وكأن الذكريات في وعيه تحولت إلى منحوتات أثرية تتبع لحقب مختلفة من الزمن، ترتادها عاطفة الإنسان. ويبقى في رحلته مع اللحظة في سرده، فكان وكأنه فراشة تتطاير على المواقف المشحونة بالغصة، ويقيم علاقة خلط ما بين زمن ضائع، وزمن آخر مسترجَع.

”وحمة“

وعمِد الروائي المصري إلى بث إشارات سردية في بداية نصه، قد لا تثير الانتباه بداية، لكنها تفرض حتمية التراجع للخلف قليلًا لمراجعة وصفها من الكاتب، لأنها تتكشف لنا في تقدم النص نحو منطقة التصارع السردي لاحقًا. فلم يكن ذكر “ الوحمة“ في بداية السرد لحظة تأمل في صفاته الشكلانية، بل ستكون في تقدم عمر شخصيته، عاملًا مؤثرًا في تركيب شكل علاقته بأبيه، وترسم ملامح طريق الأبوية بأبعادها المختلفة.

تهدئة سردية

كما ووضح امتلاك الكاتب المصري للأدوات السردية الغائرة، فقد عمد إلى تقنين سرده، تارة بالتهدئة السردية، وأخرى بالتسريع في خوض التشابك لنقاط سرده المتناثرة بشكل لم يدع لها حيلة للإفلات منه. فكان لا يترك سجالًا حركيًا في المشاهد الدرامية بين ”عمرو“ وأبيه، أو أي شخصية أخرى، إلا وأتبعه بتهدئة سردية، تؤجل الصراع قليلًا، بعرض لمحتوى معرفي فيه من التشويق ما يعزز من إثمارية العمل.

دوائر العالم

وبدا كذلك كم الخبرة المعرفية التي يستند إليها الكاتب في نصه، فبعدما انطلق في رحلة نقاشه لرؤية كأنها لفكرة الكذب، ارتقت معركته الفكرية كسارد، إلى مناطق قمم لغوية متتابعة، فمارس أناقة عالية في سرد تحليله لطرح كانط، وقدم تقسيمًا للعلاقات الإنسانية: أولًا: دوائر العالم، وهي دوائر الوفاق والصراعات الآمنة، بمعنى أنه حتى لو كذبنا على شخص ما ولن يقع عليه ضرر عملي أو صوري، فوجب الصدق وذلك لضمان عودة التعامل. وثانيًا: دوائر جذرية يائسة، وهي صراعات مع أشخاص مقربين كالعائلة، غالبًا ما تتطلب الاختباء للمرور والإكمال الآمن. وكان من الطبيعي أن تكون طبيعة علاقتنا مع الشخص الواحد في أحد الأسلوبين، حسب رؤية الكاتب، لكنه بشخصية البطل، قد دمج في علاقته مع أبيه، كلا الأسلوبين.

لست بحاجة لأب آخر

وبتوسع مقصود من عمرو عزت تناول بالإضافة إلى السلطة الأبوية الممارسة ضد الأبناء، كذلك السلطة الأبوية الممارسة من المجتمع كافة، تجاه أي شخص، مهما بلغ من العمر، والصفة، فيقول هنا: ”لست بحاجة لأب آخر“ متحدثًا عن تدخلات صاحب الشقة بسلوكه اليومي.

 ويقدم توصيفًا للفجوة الحاصلة بين الآباء والأبناء، فيقول: ”الرغبة الأبوية ترى في نفسها منطلقًا مستقلًا بذاته، لا يحتاج للتبرير، وتمضي علاقة الأبوة والبنوة كلها، وإلى الأبد مستندة عليه“. واستطرد كذلك في منطقة أخرى من التشابك مع الآباء، فيستدير إلى منطقة القوة الملساء، التي تمارسها الصفات الأبوية، وليس الفعل الحركي، تجاه الابن، فيقول: ”أقسى ما يمكن تحمله في البنوة، أن تعيش في بيت مع أب أقرب ما يكون لروبرت دي نيرو، شجاع، شهم، قوي، نبيل، جذاب، مغامر، حنون، مغناطيس بشري“.

وحتى بعد عيشه في شقة أخرى، كانت متابعات الأب لمنشوراته على المدونة، ومواقع التواصل، توضيحًا بأن رغبة الأب في متابعة ثمرته وتقديمها للعالم بأجمل شكل هي الهدف من السلطة، لكنه قد لا يلتفت أحيانًا إلى أن هناك عقلًا له هويته في الطرف الآخر. ولا يكل الأب من دعوة ابنه للعودة للمنزل، للغرفة الضيقة المسماة ”304“، تلك التي شهدت مسرح الحوارات بين البطلين.

آباء كثر

ولا يترك عزت منطقة الجدل هذه دون أن يضع مخرجًا يعمد إليه الكثير من الأبناء، حين تتصادم السلطة الأبوية المجتمعية، مع أهواء الأب، فهناك لحظة انتصار يمر من خلالها الابن إلى مساحة من الحرية.

ويتوغل الروائي المصري أكثر لتعددية الأشكال الأبوية في مرحلة التشكل، مشيرًا في ذلك إلى الأصدقاء، مبينًا كيف يمكن للصديق أن يكون ممارسًا لسلطة ما غير متوقعة، على اتجاه شخصية قيد التشكل، ويسرد في ذلك: ”الأصدقاء آباء جدد، الآباء أصدقاء قدامى“.

لا يمكن الخلاص من هذا السرد دون تورط بأحداثه، وتفكر عميق بتفاصيله، ففي جانب الطرح الفكري، نحن في رحلة تؤسس لمراحل مختلفة، ترتكز على الأبوة والبنوة. وهنا تحليل غير متفرد بصوت أحادي، وقد تمت الإحالة إليه بأسلوب ولغة، على أحقية بالإشادة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com