”سريالية ابتكار الصور“ في المجموعة القصصية “ هكذا تكلم الذئب“ للمصري مصطفى الشيمي

”سريالية ابتكار الصور“ في المجموعة القصصية “ هكذا تكلم الذئب“ للمصري مصطفى الشيمي

المصدر: حسام معروف – إرم نيوز

يظهر الأديب المصري مصطفى الشيمي قدرات صياغية مذهلة، للأفكار واللغة، وذلك في مجموعته القصصية“ هكذا تكلم الذئب“ الصادرة عن دار الربيع للنشر والتوزيع 2019.

 حيث ينزع الشيمي إلى إطلاق ذهنه دون رقابة من العقل، ودون قيد جمالي، إن هذا، هو ذاته، ما يقوده إلى تشكيل لغوي غير مسبوق، ويقربه إلى تنوعات تتراكب في الخيال؛ فينبثق منها عوالم جديدة  مفاجئة لمن يتساوق مع لغته وأفكاره.

غودو

وعلى نهج سريالي في عملية تسريد كلماته، يلاحق الكاتب المصري الحالة الشعورية المتواجدة في نصوصه، معتمدًا على أسلوبية إهمال الوعي؛ كي يعطي ما تحدّثه به الحالة الداخلية، بعيدًا عن أنماط الربط التي يحتمها الواقع على النص.  وحين سئل آرغون، ماذا يريد السرياليون؟ أجاب:“ نحن نستخدم الصورة المذهلة، بشكل عشوائي غير منظم، بهدف الإدهاش والذهول“. وهو ما ظهر في لغة الشيمي على مدار مشوار نثره للكلمات.

ولأن الوقت حالة يصعب على الوعي الإمساك بها؛ يغادر الكاتب المصري أقبية الإحساس به،  ويجرّده من وجوده حين يقول:“ ولا يمر الوقت؛ لأن الوقت ميت“ . هو نفس إحساس صمويل بيكيت، في انتظار ”غودو“. لكن الطريق يبقى على حالته من الفراغ، لأن الوقت لن يمر، كحال الموتى.

عقرب الدقائق

وعلى شاكلة الهواء، يتخفى الشيمي بين كلماته، وحتى في محاولاته المستمرة للهروب، يشعر بالاختناق، تلك الخدعة التي تصنعها اللغة من حوله ويقول عنها:“ اللغة ضيقة، أنا محاصر في أزمانها“.

وبإحساس  الخضوع يجاري الكاتب المصري كلماته، ويعبر عن حصاره بالتكرار القاتل للأشياء،  وكم الحزن الماثل في النهاية، حين يقول:“ ركّبني أحدهم لتمثيل دور عقرب الدقائق، تعالت آهاتنا  كتكّات“. تلك الأسلبة الغريبة، كأنما تضع فرصًا للتزاوج، أو التنافر، بين الكلمات، مؤلفة صورًا، وكاشفة عن واقع لم يقله أحد بالضرورة، كما يرى“ روفيردي“.

نحت

وعلى نهج النحّاتين، يُخرِج الكاتب المصري قداسة الفن، وبدلًا من تشكيل اللغة، يهرب إلى طريق جنوني آخر، وهو ما تتطلبه الفوق واقعية، فهو مغترب عن واقعه وزمانه، ويضع حلًا لعودته بالقول: ”علي أن أجد طريقة للعودة، قالها، وتوضّأ بالطين“. هي إحالة لرغبة في تشكيل حاجز بينه وبين ما يلوث مشاعره من الخارج المألوف. هو ما يمكن اعتباره مسلكًا للاستسلام للهذيان، هدم وبناء لمعرفة غير مُجرّبة.

هذيان

وعن شخصية الشيمي الفاقدة للذاكرة في قصة “ بيلي“ في عجلته إلى الحب، يفرغ وعيه الحابل بالعاطفة، بمشاعر عكسية تصنع الطريق إلى المعرفة الكاملة، فيقول:“ أسألها عن ذاكرتي، واسمي، لكنها تشير إلي أن أقترب، ولما أقترب منها، تسألني عن ذاكرتها واسمها“.

ارتقاء

وفي قصة ”المانيكان“ تتجلى السريالية في صورتها المُبَرْوزة، فيقحم الأديب المصري، إلى عالمنا، كائنات حسب تقديره نظنها جامدة، لكنه يهبها عاطفة، ويصنفها كفئة بشرية مصنوعة من البلاستيك، إنها ”المانيكانات“.

ويقول الشيمي:“ لا أحد يستطيع معرفة الفرق بين البشر المصنوع من الطين، أو اللحم، أو القطن، أو البلاستيك. لكننا نقول إن البشر بكل طينهم إخوة“.

ويضع طبقات خيالية لذلك حين يفصّلهم:“ تقول أساطير الشارع الخلفية، إننا قادرون على الارتقاء، من الطين إلى اللحم، ومن اللحم إلى البلاستيك، وأفضل أجناس البشر هم المصنوعون من قطن“.

خيوط الماريونيت

أما قصة “ يوم العرض“ فيبدأها بإعلان:“ مطلوب إنسان للتمثيل في مسرح العرائس“ وهي عملية تدويرية، كتبادل للأدوار بين شخصياته القصصية الفوق واقعية، كأنه يصنع موسيقى عشوائية بذلك. تلك العرائس التي تربطها خيوط ”الماريونيت“ الممتدة إلى السماء البعيدة، هي بمثابة البعد الفلسفي للحركة التي يسقطها الشيمي في أسلوبه، وهل من الممكن تقسيم الفوضى بخيوط؟ تلك العرائس التي يمنحها الشيمي حقوق البشر، ويجعلها تصارع من أجل نيل مكانتها في المجتمع الإنساني، فيقول:“ لا أفهمك، لماذا تكون عنصريًّا، هكذا تعتقد أنك أفضل منا، لمجرد أنك محشو بالطين، بالدود، بالدم؟“. تلك المحاكاة التي تميزت بها قصص الشيمي بين أشياء غير متوقعة، ولا يفرز الواقع لها مكانًا، لتنال حظها من التمثيل في الطبيعة، وهو يعيدنا إلى فكرة الهدف الطبيعي الأول للأشياء، في إثبات التواجد، والبحث عن وظيفة تعريفية أمام العالم.

 إن ما قدمه الكاتب المصري مصطفى الشيمي من صور تقوم على التلقائية والاندفاعية وراء لا وعيه، في مجموعة“ هكذا تكلم الذئب“، لهو طريقة نثرية بحاجة لأكثر من قراءة للفهم، وفي كل مرة يمر القارئ لعبارات  الشيمي من طريق آخر. لأن من يضع البوابة ذاتها، هو المنطق، وهو ما لا يتوافر في هذه المجموعة القصصية العصية على التغليف.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com