”من يخاف مدينة النحاس“ للعراقي فوزي كريم.. هويّة آتية من الماضي

”من يخاف مدينة النحاس“ للعراقي فوزي كريم.. هويّة آتية من الماضي

المصدر: حسام معروف - إرم نيوز

يصحبنا الروائي والشاعر العراقي المُكرّس، فوزي كريم،  في رحلة البحث عن الذات الإنسانية بما يشتمل فك الارتباط بالحاضر، وميل إلى العيش في الماضي كنوع من العصيان الذاتي لأصوات الواقع المتعالية بالخراب. هروب شاسع نحو العمق، يظهر في روايته “ من يخاف مدينة النحاس“ والصادرة عن دار المتوسط للنشر والتوزيع، 2018.

ويشكّل الكاتب نفَسَه الروائي من خلال تجربة لشاب عراقي، يعشق قراءة الكتب، وخاصة تلك القديمة منها. ويأخذه شغفه إلى البحث عن أسرار الماضي علّه يجد ضالته الفكرية التي فقدها في الواقع، نتيجة للجديّة العالية في إرهاق الروح البشرية بمشاهد الموت من جانب والتنميط  الحزبي حوله من جانب آخر.

ويعثر خلال رحلته مع الكتب على “ مدينة النحاس“ وهي مدينة أسطورية أسوارها  من نحاس، عثر عليها موسى بن نصير في غزواته للمغرب العربي. وذلك بعد قراءته كتاب “ مروج الذهب“ للمسعودي. تلك المدينة ذات الأبواب المغلقة، من يصعد إليها، لا يرجع منها إلى أبد الدهر. وتصبح “ مدينة النحاس“ حصاره الممتد إليه من الماضي، والمُغرّب له عن الحاضر.

لكن خيوط الحاضر تلاحقه بعدما عرف أبناء الأحزاب بتعلقه بالكتب، وهو أمر غير مألوف في حاضنة الحرب، ويحاولون بشتى الطرق تنسيبه للحزب. وما يكون منه إلّا التعمق في غربة أخرى، بهجرته عن وطنه إلى فرنسا، فاقدًا لُحمته عن عشيقته وصديقه، وأهله الذين أحبّهم. آخذًا معه حلمه في كتاب المسعودي“ مروج الذهب“ .

 وفي فرنسا بلد المهجر، يواصل البحث عن ضالته الغريبة، لكنه يعجز في لمسها في مخطوطة الكتاب الأصل، في المكتبة الوطنية في باريس، مستمرًا في تشكيل هويته النحاسية، الغاربة بعيدًا عن حاضره الرصاصي.

قلق“ كافكي“

لقد حفلت الرواية بِلُغة ذات طابع سردي مركّب التكوين، وذلك تحقق بفعل تحميلها بالتأويلات التخصيصية، انطلاقًا إلى التعميم للهاجس الإنساني تجاه القناعات من حوله. فما حدث مع ذلك الشاب، يحدث مع الكثيرين في بقاع العالم كافة، في مرحلة تشكيل الهوية، خاصة إن صاحب ذلك رفض للواقع بكل تآلفاته.  وتبدو عماقة الفكر في تناوله لمؤسسات فكرية منتجة لمسار الحياة اليومية للإنسان، حين يقتص من شخصية بطله فكرة القلق، ويساوي بين الغذاء المتطلب لجسدية الإنسان، وبين قلقه، كمادتين لاستمرار الحياة. وهو ما يواكب النمط الكافكي في ”المحاكمة“ حين يقول:“ لابد أن أحدًا قد افترى على ”جوزف ك“ إذ اعتقل ذات صباح دون أن يكون قد اقترف شرًا“. وهو ما أخذ يلاحق بطل رواية “ من يخاف مدينة النحاس “ حينما لاحقه أبناء التنظيم لإدراجه ضمن أجندتهم.  ويقول فوزي كريم في هذا:“ كنت أريد تجنّب الحاضر، لكنه تحول إلى كمائن، وأنياب، ومخالب!“.

صور مختلفة

ولقد وضحت خبرة الكاتب في التقاط المواقف الحيوية، التي تنبثق من خلالها الحوارية الجدلية بين الشخصيات. ولما كان لرؤية البطل في نسيان متطلبات المستقبل، والنزوع إلى أبعد ما يمكن في تجاهل الواقع حين قال:“ للماضي طيّات قد تبلغ الأسطورة، ولعلّي بلغت هذه الطيّة، حين بلغت مدينة النحاس“. إن الميل إلى تلك الخيالية، مغمّسة بالكتابة عن رؤيته لجنونه، لربما كان هو وطنه، هو سلامه، واستسلامه، في تعاطيه مع الواقع، الذي يرى بأنه يسير للأسوأ. لكن النقيض الفكري الذي يظهره الكاتب، مجسدًّا رؤية الفوضى، والصراخ الذي توزعه الحياة على من حولها، والتي لا يستطيع حالم حمله، فيتسلل الافتراض الآخر -المسيطر- ليقول:“ من يكتب للا  أحد، لا فضل له على أحد“.  تلك التباينات بين الشخصيات جعلت من المواقف لامعة، وفتحت مساحات متجددة، من الإعمال للعقل، والتدبر للجانب الخلفي للكلمات، بمهارة ناصعة تمكن الكاتب من عرضها.

تركيب

إن التنوعات التي حظيت بها شخصية البطل؛ أفرزت حالات مختلفة من التفاعل مع تركيبه الحسي، ففي الحب كان بطل الرواية يطوي آلام غربته عن الواقع، ويشارك عشيقته هاجسه، حتى خيالًا، فيقول:“ غموضك داخلي، يجعل أقبيتي نصف مضاءة“. بدت في رحابة دربه تلك العشيقة النور الذي لم يستطع حمله كاملًا، لغربته الإضافية في هجرته. ويقول أيضًا:“ لكن حبّي ثمرة، لا تحتمل أن تتعرّض للهواء، بعد“. ولقد أسقط الفقد قناعة الأمان لديه بسؤاله:“ كيف يمكن ترميم الصدع الذي سيخلفه الفقدان؟“.  وظهر في شخصيته أيضًا انقلابه على ”روتينية“ الشخصية العامة من حوله فوصف حالهم:“ موتى في الحياة“. ويبدي أسفه على نمط الحياة الغريب، الخالي من الحرية الذاتية، والقدرة على تركيب الوقت كيفما شاء الإنسان، كأنه لعبته الخاصة. فيقول مستغربًا:“ كيف تحولت الحياة سجنًا نسير فيها مثل حركة عقارب ساعة حائط“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة