صراع مع الذاكرة والمكان.. في ”أبيض يتوحش“ للراحل ناصر الظفيري – إرم نيوز‬‎

صراع مع الذاكرة والمكان.. في ”أبيض يتوحش“ للراحل ناصر الظفيري

صراع مع الذاكرة والمكان.. في ”أبيض يتوحش“ للراحل ناصر الظفيري

المصدر: حسام معروف - إرم نيوز

 يعود الراحل ناصر الظفيري الروائي والقاص الكويتي إلى وطنه، سائرًا بوساطة كلماته، وذاكرته، التي لطالما حاول محوها، ويجسم ذلك بلغة مشبعة بالتجذر، وضحت في مجموعته القصصية ”أبيض يتوحش“، الصادرة عن دار المتوسط للنشر للتوزيع عام 2017.

وتتضح الآلية الانطباعية عن الأشياء في لغة وسرد ودراما الظفيري، مقدمًا كتالوجًا فنيًا غائرًا، بتوظيفه لشخصياته المتنوعة في قصصه، منتهجًا أسلوبًا متعدد الأبعاد في محاكاته للحدث في قصصه.

ورم

”أبيض يتوحش“ لربما يحمل رمزية التحول، بفعل التعرية الوجودية، وأنماط التنقل من النقائية الذهنية إلى التحميل الزائد بالقناعات الشائكة، منها ما يجرح الذاكرة، ومنها ما يضخمها، بورم يجعلها تستحق الاستئصال، وقد عبّر عن ذلك الظفيري بمحو الذاكرة.

يبعث الظفيري في استهلال قصصه ذات الطابع الوصفي، الجسد للمكان المفقود في سياق يومياته، المحفور في وعيه، كنتيجة للابتعاد عن الوطن، ويعزز وصفيته للذرات التي تتماهى لتصقل التكوينات، بطريقة النبش عن أصالة بيئته، طقسًا وحرارة وغبارًا ، يستمر تعلقهم في أنفه، بالرغم من تجمدهم في بلاد الثلج! إلا أنهم  كشذرات، بقوا  سرًا يتعكز عليه الظفيري في طريقه السردي.

حاجز قريب

اعتنى القاص الكويتي بشخصياته في ”أبيض يتوحش“ وكأنه كان يعرف بأن الموت سيضع بين جسده وبين الحياة حاجزًا قريبًا،  بما حملها من صفات التغريب والخذلان والحنين والحزن والحالمية المتصاعدة والتناسي، والطاحنة في الحب، والقلق من الحرب.. لتستمر خطى شخصياته، تنهش وعي الموت بالأسئلة التي حملها في غربته، بفعل الحرب، وبفعل الهجرة.

حبل يلتف حول الجسد

لربما بروح الحدس، والحس الفني، شوهد في قصص الظفيري تبادل للأدوار مع الزمن، الذي أكثر القاص الكويتي من تعريته في سياق الدراما بين أبطاله، وكأنما تحول الزمن الذي صارعه، كحبل يلتف حول جسده بطيئًا، إلى أن أوصله لنقطة الخلاص، والتغريب المعمق. فيقول في قصة ”عندما يقف الزمن“: “ لنقطع دوائر الزمن المتتالية“، هو كان يريد ذلك برغبة توقيفه عن طي جسده، أو إزاحته عن مسرح الحياة، كباعث رئيسي للقلق.

ويضيف: ”الشاب يتقدم في العمر، الأثاث يهترئ، الأجهزة تتبدل كما يوحي التطور، أما زمني في مستطيل اللوحة، فثابت لا يتغير“. هي لكنة حسرة على الميل الدائم للأشياء، للدوران  مع الزمن، وقد أعلن الظفيري  هزيمته  في إيقاف جسده عن ذلك، كبقية الأشياء، لكن ذهنه الذي ملأه  بالمعرفة، هو ما يستطيع تطويعه، لإذلال  تلك القناعة الكونية.

ويكمل الأديب الكويتي: ”أستطيع أن أمنح الزمن كفي يعبث بها، ويبقى جسدي هكذا“.

ويشير في مكان آخر إلى تلاعب الزمن في كشف الحقيقة، بقوله: ”ألم أقل إن الزمن لا يُقرأ جيدًا في جسد“، ولعله قد سبق بالإشارة إلى ما يفعله الزمن بجسده لاحقًا.

المربع الوجودي

وفي قصة المرأة الغريبة، يجلد الظفيري ذاكرته، ببطله الذي يلتقي بشخصية امرأة قديمة، من المكان المنسي، في عقله، تعرفه في مكان عام، وتواعده، ولا يتمكن من تذكرها، على الرغم من سردها عدة تفاصيل، لإعادة نفسها إلى مربعه  الوجودي.

فيقول:“ لم تفلح صورتها الحالية، ولا صورتها القديمة، مرتسمة في نسختها التي مثلتها الابنة، أن تقرع جرسًا في ذاكرة ميتة“.

مِران

وفي مرانه على النسيان يجد استحالة في حماية النقاط المهمة في وعيه، كنتيجة للتمرين القاسي في المحو، رغبة في الخلاص.

ويعبر عن ذلك بقوله: ”لكن العيب الذي صاحب هذا المران، أنني أقصيت منها ما لا أريد إقصاءه“.

ويضع الأديب الكويتي الراحل صفة الشكلانية للزمن، مانحه الصفات التي تجعل من الممكن التغلب عليه ذات مرة، وبلغة الضرب بالكفين، مظهرًا عجز الإنسان عن المجاراة لسمات العمل الشيئي لما يحيطه، يصرخ: ”لو رأيتها في زمن أفقي ومتسق، لكان احتمال خروجها من الذاكرة صعبًا، مهما بلغت قسوة المران“.

سائل الحرب

وفي قصته ”المقعد الخالي“، يدلق الظفيري سائل الحرب مرة أخرى إلى النص السردي، مستحضرًا الأثر النفسي لما بعدها، ويبرهن ”الكوجيتو“ الديكارتي، بأن الإنسان إن توقف عن ممارسة الفعل الحسي، فهو في حالة اغتراب عن الحياة.

وأثار ذلك بعدما وصّف حال شخص فقد حبيبته في الحرب، وأضاء بكلماته على جسد معتم، في أدنى حالة للتشغيل، الحالة التي تبقيه على قيد الوجود لا أكثر، فيقول: ”وجاء صوته خشنًا، كما من لم يمارس الحياة منذ زمن طويل“. إنها التراكمية في التعطيل والإهمال للذات؛ بفعل الصدمة، ولربما بفعل الاعتراض.

نقطة

ويتسلل إلى نص الظفيري، كم تلك الرؤية التي تملكها، بتصنيع حالة وجودية بديلة، عبر التراسل، بأن يقوم البطل بإيقاف كل نشاط يمكن تشاركه مع الحياة، والاكتفاء بمراسلة حبيبته التي التهمتها الحرب،  وكأنه تحول إلى ”نقطة“، وصار طريقًا وحيدًا يلخص حياة ذلك الشخص، من بيته إلى صندوق البريد.

النُدَب

ومن خلال شاب آخر في قصة ”ترنيمة متأخرة لشتاء 92“ يعمّق القاص الكويتي نُدب الحرب، بتحسسها، ويعري فعلها ضد التكوين الإنساني فيقول: ”غيرتنا الحرب، سرقت منا إنساننا الصغير، ولغتنا العظيمة“. فالإنسان قبل حرب غيره بعدها، وغيره خلالها، ويسخر من ذلك الظفيري بجملته:“ لماذا كانت معي في الحرب، ولماذا هربت حين جاء السلام!“.

شاهدة القبر

أما في قصة “ للموت اشتهاءات“ فيعود للزمن، وشهوة الموت. الأم تقول:“ أقتل الوقت بإبرتي!“. الابن المريض الأقرب للموت بعُرف البشر، يشيّع أباه ذا الصحة. يذهب الابن إلى قبر والده، يضع شاهدة قبر جديدة، يكتب فيها اسمه واسم والده معًا، ثم يمسحهما، ويقول: ”هكذا أفضل يا أبي، من سيذكرنا؟“.

في الذاكرة ستبقى أنت، يا أيها الأديب المحمّل بالمعرفة والإبداع، وبموروثك الفكري الذي لا موت يقهره ولا نسيان.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com