تسلّق شِعري لحبل العالم في ”جنازة لاعب خفة“ لأنيس غنيمة

تسلّق شِعري لحبل العالم في ”جنازة لاعب خفة“ لأنيس غنيمة

المصدر: حسام معروف - إرم نيوز

يبحر أنيس غنيمة، الشاعر الفلسطيني، في عالم لامع من الشعر، في مجموعته الشعرية ”جنازة لاعب خفة“ والصادرة عن دار الأهلية للنشر والتوزيع 2018، والفائزة بجائزة الكاتب الشاب، لمؤسسة ”عبدالمحسن القطان“.

يقدّم ”غنيمة“ في مجموعته الشعرية حالة من الجدلية، حول المفاهيم الإنسانية المتغيرة بدوام تغير التفصيلات الوجودية، ويرغم القارئ على الغرق في تأويلات حسية خاصة، وتخطيات شعورية مجددة، كما تصل بقعة من الضوء لمكان معتم في العقل، وكأن غرفة جديدة تضاء في الوعي، بفضل تلك التجريبية غير المماثلة، والتي ما هي إلا وظيفة الشعر في الالتحام مع الإنسان.

تجري في قصائد ”غنيمة“ إحالات إسقاطية متنوعة، متعلقة بالصوت الإنساني الداخلي تجاه الأحداث من حوله، ذلك الانطباع الشعري المغمّس بانتقائية كتبرير للوجود البشري وسط هذه المتاهة الوجودية، التي تبقى بحاجة إلى اللمس، بغية الاكتشاف، والتصريف.

وينتهج الشاعر الفلسطيني في قصيدته الشكل التجديدي للشعر، باشتباكه مع الواقع اليومي، واحتفائه بالهامش البعيد، الصغير، المتلاشي، غير المتشكل أحيانًا، هو بذلك لربما يحاول جلب كل ذلك إلى المركز المرئي بوضوح، ولربما يريد تقريبه، كمعنى خفي يتعلّق كأوراق الورد تحت مكونات اللغة.

ويحاول أن يصل إلى أقصى انفتاح عقله، بتساؤلات الشعر المختلطة بالفلسفة، فيتساءل: ”من يدري، قد نكون نشيدًا مضى، من يدري لعلنا لسنا صورتنا، التي انطفأت في الماء، حتى قبل أن ننظر“. هي محاولة لإعادة الإنسان إلى منطقة الصناعة الأولى، والخطوة الأولى في فهم الكون. ”غنيمة“ يستيقظ من غرفة هشة ليعرّف للعالم أنهاره المتوقفة وسط القبور، فيقول: ”من خشب لا يصلح للدفن، بنى ميتون غرفتي، إنني محاصر على الدوام، بقبور لا أفلح بسقايتها“، ذلك النهر لا يسري إلا في الشعر، وإن جففه الواقع.

ويستمر أنيس غنيمة في تعرية المفاهيم المعلبة، بتفاعله مع أثاث الطبيعة، كما لا يفعلها الإنسان العادي، فيقول: ”شيئًا فشيئًا، تموت الشجرة، الندوب وحدها تقاوم الفأس“. وفي حالة شعورية أخرى يقول: ”وحدها الرائحة لا الأشواك، تصنع مجد الوردة“. تلك الإحالة إلى العالم الإنساني، يتحسس العمق، وتوصيل ما يشعره الشاعر تجاه التجربة التشاركية الإنسانية مع الحياة. ويقصي ”غنيمة“ الأصنام التقليدية في الشعر، بمواصلة التوغل في ذاته، حتى يوصله لحالة السائل، متخلصًا من فلسفة الطين، المتكسرة، فيقول: ”هكذا أركل عطشي، وعلى شاكلة الماء أتدفق“.

ويتمكن الشاعر الفلسطيني في إعادة تشكيل أحجام الأشياء بقدرة الساحر، هي وظيفة قديمة للشاعر، حين يبرز للعالم حواسه المثقوبة في أكثر من موطن، فيقول ذات مرة: ”وكل هذي الأرض أضعها في جيبي المثقوب عندما أمشي“، ويقول في أخرى: ”يمكنني أن أخفي حبي للمرأة في جورب حبي المثقوب“، وفي موطن آخر: ”أعيش في جيوبي، أي أحد أفلس مني هذه الأيام!“، أي تجريدية هذه تظهر في شعره! فحين يظهر قيمة العالم، لعلها تتساوى عنده بقدرة الحب، وبحجم وجوده، ثم بجرأة ينكر ثلاثتهما، بإسقاطهم، من جيوبه المثقوبة.

ويظهر في شعر الشاعر الفلسطيني، مجاراته للترنيمات التي تظهرها المرأة في حركاتها، وصفاتها، وبتلميح حسي، يرسل صوته الشعري تجاه التأمل فيقول: ”أنتِ ضحكة أولئك الذين لفرط جوعهم لكِ، يأكلون الحزن“، هو ذلك الانطباع عن فرصة الحب الوحيدة، وسط عالم ممتلئ بالخوف، والميل إلى التهتك بفعل الزمن وتقاطعاته مع الأشياء. وتستمر المرأة في السير في جسد قصيدته، فتبدو أهميتها كقدرة احتفاظية لشكل العالم، فيقول: ”أرمي إبرة في قلبي، وحده اسمك يتردد“. ويقول في قصيدة أخرى: ”شيء مؤسف أن يولد أحدنا بلا أم، أن يعيش طويلًا بلا امرأة“.

وتجربة متمرسة مع الألم تلوح في لغة غنيمة، فيقول: ”أي قصيدة رحيمة، إن لم تكن الآلام!“، وكأنه يظهر كمّ الخيبة التي يتجرّعها الشاعر في مطاردة حدسه الشعري. وينعى ”غنيمة“ وجودية الحب، معتبره كشيء نمر عليه ونتذكر أطلاله، في ظل تحول مشاعر الإنسان نحو المادية، فيقول: ”تلك حياتي أنا، تدور حول الحب، مثل فراشة تدور حول زهرة ميتة!“، تلك الاستقلالية عن جاذبية تستقطب كافة الأجناس البشرية، وكأنه وضع نفسه في نسق الحرية العفوية، منعزلًا عن مخططات الحب، لدمج الإنسان في دائرته.

يثير ”غنيمة“ في ديوانه ”جنازة لاعب خفة“، مجموعة من التنقلات الفكرية، النابعة من أطراف متباعدة لبوصلة الفلاسفة، تدل على عمق فكري يشغل الشاعر الفلسطيني في حياته الممتلئة بالتناقضات الحسية تجاه زوال الأشياء، وإعادة التكرار الممل لها. ويسعى من خلال كثافة شعرية متحققة، وكأنها غابة جمالية متشابكة، وكأن كل قصيدة له شجرة مستمرة في النمو والتحليق نحو المجهول.

هو الخطاب الشعري الناضج، والمتمسك بأسلوبية طازجة، وصور تستثمر الإدهاش في كشفها، يشكل به ”غنيمة“ زخمًا شعريًا حداثيًا، قائمًا على إطلاق غير مقنن لذاته في فضاء إبداعي ملفت.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com