في ”دفاتر فارهو“ للعُمانية ليلى عبدالله.. تعددية الأصوات الروائية كتناول لأزمة اللجوء

 

تبدو تجربة الرواية نقطة انطلاق نحو طرق متشعبة لا وصول فيها ولا رجوع.

المصدر: حسام معروف - إرم نيوز

في ظل سيطرة التجريبية الروائية، تصطحبنا الكاتبة العمانية ليلى عبدالله في رحلة من المغامرة الحسية، لمجرد أن نخطو الخطوة الأولى منسابين بين اللغة المرسومة بين طيات رواية ”دفاتر فارهو“، الصادرة عن دار المتوسط 2018.

تبدو تجربة الرواية نقطة انطلاق نحو طرق متشعبة، لا وصول فيها، ولا رجوع، وهي خليط معلق نحتاج لشغف راسخ يفعّلُنا مع مجريات الأحداث المروية. ولعل هذا العمل الأدبي يمتلك أسلوبية البحث والتنقيب، واللذان يعتبران من مقومات العمل الروائي الحداثي.

تتناول الرواية أحداثًا خاصة بشخصية اللاجئين الأفارقة، بل وكل اللاجئين في العالم، من خلال شخصية ”فارهو“. حيث ذلك الصومالي الذي يتعرض لكافة أشكال العذاب، منذ نشأته، يولد يتيمًا، فقيرًا مشردًا بفعل الحروب والأوضاع المعيشية الخشنة التي تصاحب أفراد تلك المناطق. يكتب مذكراته في دفاتر، تتسطر كما لو أنها ذاكرته التي اكتظت بالأحداث والمواقف التي يكون نهايتها، تجريد الإنسان من كافة صفات البقاء، بما يتخلل ذلك من تشرد، وفقر، وخطر التعرض للموت، أو السطو، أو الاغتصاب، أو الابتزاز العاطفي والجنسي، والتجهيل، والحسرة. ما يعني الموت أثناء الحياة. وتتم عملية السرد من خلال رحلة شاقة يتكبلها المتلقي، فكثيرًا ما تهب عواصف دمعية، تطردها المشاعر، كما لو أن رطوبة تملأ النفس بينما تتصاعد العملية الروائية.

توثيق للتاريخ

لو صح أن نسمي ما قدمته الروائية ليلى عبد الله بالبحث التوثيقي، لكان استحقاقًا. فهي تخوض غمار المعركة مع المعلومة عن الشخصيات المتجددة في روايتها، بقطبية عالية مع المعرفة المتعلقة بتفاصيل العرض. فلم تترك صغيرة ولا كبيرة حول أوضاع اللاجئين، إلا ودمجتها في عملها. وكأنها كانت تخوض سباقًا في مضمار من الشوك.

لم تغفل الروائية ليلى عبدالله عن وصف كافة المعطيات التي تصاحب حياة أولئك اللاجئين، من حيث اللبس البالي، والجسد المتقشف، والمسكن الذي لا يصلح للحياة الآدمية، حيث مساكن الصفيح، والخيمة، مساكن الطوب المحترق. واستطاعت أن تنقل من خلال لغتها المربكة، سردًا ممتزجًا بأدق التفاصيل حول كل موقف، وكل حركة، وكل إحساس. تلك الآلية لا يكون بوسعك إلا الغرق في الأحاسيس، بوصفية تحيطك دون تفلّت. وكأنها عملية إحصائية مفصلة لكافة أنواع التعذيب البشري.

في الرواية أسلوبية الكاتبة الناضجة الممتلكة لكافة زمام أمر الفكر الروائي، فتغدو بعد كل فقرة تحاصرك كمتلقٍ، بمساحة أكبر من التماهي، مع التسلسل الفني.

ديمقراطية السرد

وتستفيد ”دفاتر فارهو“ من التقنيات التي استخدمتها الكاتبة، بتعددية الأصوات الراوية في العمل. فتلك الخاصية الأدبية تضفي على الطرح ثباتًا أكبر تجاه تأويلات النقد والتذوق. حيث تخلل الرواية أصوات مختلفة، للأبطال. ما منحها تعددية في الأيديولوجيات التي تصاحب الأفكار ، مخرجًا الكاتبة من فخ التساقط بالتنظير مع الأحداث. فهي تعمد إلى طرح المشكلة من رؤى مختلفة، وهو ما اتبعه ديستوفسكي في أشهر أعماله ”الجريمة والعقاب“. فقد تعددت في ”دفاتر فارهو“ الأساليب، والشخصيات، واللغات، والمواقف، لتنتج عملًا ديمقراطيًا باقتدار. مبتعدة عن أسلوبية العمل المونولوجي وحيد الصوت والرؤية.

أسرار اللاجئ

تسلط ليلى عبدالله غربة اللاجىء، والتكسير النفسي الذي يوجهه كنتيجة لعادات يصعب الخلاص منها لأهل تلك المناطق، بما فيها من تعديات وقرصنة على الإنسان. فتقول: ”الحرب تسلب عقل الإنسان وتسمم أفكاره ودمه“. وتفسر كثرة القتل في تلك المناطق، وكم إهدار الأرواح فتقول: ”من سار على طريق الدم، لا يصل، سيغص حتمًا بدماء من شرب دمهم“. فتخطي بسردها نحو غطرسة السلاح الذي يتم اقتناءه بكثرة بين أهل تلك المناطق. وتقول هنا:“في صغرنا كنا نعتقد أن السلاح وجد لحمايتنا، ليحمى الإنسان من الأشرار، لكن عندما كبرنا قليلًا، كبرنا بمرور الأوغاد، بمرور المصائب والكوارث، والمجاعات، لا بمرور الزمن، تكاثر السلاح، وصار بأيدينا وبأيدي الكبار منا ، صار يجلب لنا الشرور ويجلب لنا الجوع، ويهدم بيوتنا، ويبيد من نحبهم، هذا السلاح هو من دمر وطني، ووراء خراب كل الاوطان“.

غربة

وترتص الرواية بجدليات حول ما يتعرض له المهاجرين من الصومال وأثيوبيا، وباكستان، وجرز القمر، حيث يهربون لدول أخرى، طلبًا للحماية والعيش. فتتعدد لهجاتهم، وصفاتهم الجسدية، والفكرية، ولقد قدمت ذلك الرواية بطريقة غير مألوفة. وتتناول غربة تترسب قاع وعي اللاجىء، طالما هو في حضانة تلك الاوطان البديلة.

مقايضات

وتخوض الرواية في ما تعانيه المرأة في تلك المناطق من ابتزاز جسدي مقابل العيش، ما سمته بالمقايضة، فتقول:“إنها مقايضة اعتدناها نحن النساء، مقايضة لابد لنا منها في هذا العالم الذكوري، … لهذا المقايضة لم تكن لتهز روحي، التي ألفت شتى أنواع المقايضات“. كما وتناولت ظاهرة سرقة الأعضاء، بعد الخطف والتنكيل بالجثث للناس البسطاء، الذين لا يملكون حتى ابتساماتهم.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com