مشقة سيزيف في اكتشاف ”المجانين لا يموتون“ للجزائرية آمنة حزمون‎ – إرم نيوز‬‎

مشقة سيزيف في اكتشاف ”المجانين لا يموتون“ للجزائرية آمنة حزمون‎

مشقة سيزيف في اكتشاف ”المجانين لا يموتون“ للجزائرية آمنة حزمون‎

المصدر: حسام معروف - إرم نيوز

قليلة تلك العناوين للمنجزات الأدبية التي تجذب القارئ ليتوغّل بين ثنايا النص، فالعنوان أصبح في الأدب الحديث من العتبات الهامّة التي يعتني المؤلف أو المحرّر بصناعتها، وهذا ما تحقق في رواية ”المجانين لا يموتون“ للكاتبة آمنة حزمون، والصادرة عن ”الجزائر تقرأ“عام 2018. والقائمة بجائزة سعاد الصباح للرواية عام 2017.

 

الفكرة

مما ينبغي تتبعه في أيّ عمل أدبي، صفة الندرة، هذه الندرة في الصفات، والملامح، والهيكل، والتفاصيل. دون هذه التجزيئات لا يكون سوى موضوع يتصف بالندرة، وهو ما يجمع تلك الأقسام حوله، أنه اللامتداول، يتم اقتطاعه من تربة بعيدة، لا تشبه تربة اعتدنا على ثمارها.

ولعلها من أكثر الموضوعات التي تحمل ندرة خاصة لدى الإنسان، هي الموضوعات التي تتبنى الإيغال في النفس البشرية، هي تلك التي تدرس الطويات الغائرة وتفندها قاصدة إزالة الضباب عنها. هنا يمكن تلمس فكرة ”المجانين لا يموتون“ والإبحار مع الزورق المحمل بالغامض، فكأنما التشويق هنا، حزام لا ينفك، إلا بالخلاص من آخر حرف روائي صنعته الكاتبة. وهذا يحسب لها، فلا تتمثل هذه المهارة من كاتب عادي.

 

ظلمة السينما

أحداث الرواية في هكذا منطقة تبدأ ساخنة، إنها منطقة اللا العقل، حين يغيب هذا العضو، فإنك في رحاب عمل أدبي يحمل رؤية تتيح كلّ الاحتمالات. تلك الطبيبة المشبعة بأحلامها، المتفوقة بعقلها، وجنونها، تختار الطب النفسي، لتخوض مناورة مع فئة تخلت عن عقلها، لتحيا دون قيد، إنه العالم الذي يوضع الرباط فيه على العينين لا على العقل! رغم رفض والدتها لطريقها، هي الأرملة الكادحة لترى ابنتها، في أعلى المقامات، ترى مصير أملها في عمل بين المجانين، تتبدل على الطبيبة النفسية حالات عدة، وتكون أمام جنون مغاير، هو الذي يمثل الوعورة في السحب، جاذبية تسلب، كيفما تفعل ظلمة السينما، محققة المتعة السرية المكتملة، التي لا نريد لأحد أن يلحظها، فالطبيبة تعشق مريضًا يتردّد على المشفى، يشغفها، لتعرف بعدها أنه فنان تشكيلي، يأتي ليقضي فترة عزلة بين المجانين، كمكمل حقيقي للحالة التي يتطلبها جنونه الفني.

 

مشقة سيزيف

حالة من الرهبة، تصاحب المسيرة التي يتدحرج بها النص. لا يغيب عن بالك مشقة سيزيف في اصعود وانخفاض الهواء مع المواقف، إنه الأسلوب المرن الذي أخذت حزمون قياساته على الكلمات، ويتبع ذلك راحة النزول لسيزيف، وقت تدحرج الصخرة نزولًا. فقد صاغت الكاتبة تعرجات سردية ملفتة في عملها، تمثل في لحظات دخول الطبيبة للمرة الأولى المستشفى، ونداء أحد المرضى عليها، لحظات يخفق لها القلب ليفتح لها ممرًّا سريًّا. وتلك الماهية التي تسري مسرى السحر في الدم، لحظة إلقاء الفنان التشكيلي للقصيدة التي كتبها عن الطبيبة، أما عن الارتجاج في صورة جسد الطبيبة لحظة معرفة أن مريضها، هو فنان تشكيلي عظيم، يخترع عزلته وسط المجانين، فذلك الشعور لا يموت. تلك الأسلوبية الغضة، والسلوك المثمر في التناوب بين الأحداث والشخصيات، هو ما أعطى للعمل بريقًا لا يمكن إهماله.

 

التلويح بصمامات القلب

يقول لاكان ”لا يوجد موضوع ثابت في العلاقة مع المتعة“. فمن الجيد ملاحظة الجوانب الفنية التي اعتمدت عليها الكاتبة هنا، فهي لم تكف عن استعمال القارئ من خلال التلويح بصمامات قلبه، كنوع من تفريغ، أو إزاحة للتوتر. كانت الكاتبة ترسم جملها على إيقاع حركة الخيال، لتصل إلى تفاصيل الجنون، فتقول: نحن نؤمن بخيالنا بقدر ما نؤمن بأسمائنا“. كأنها تريد تسمية الخيال، في كل مرّة تتعرج أمامها الطريق نحو حدس جديد. ولأن النص دائمًا في حاجة إلى موكب، كانت تفاصيل الشخصيات المتباينة، صناعة جدية للكاتبة، فتلك الطبيبة الحالمة، وذلك الفنان الفانتازي المتعلق بحساسيته، وتلك الزميلة التي تحمل عقلًا ميتًا، تعامل المرضى كأعداد مكتوبة على بطاقات، تسقطها في الصندوق دون اكتراث. ذلك التنوع من قبل الكاتبة، كمن يدخل مغامرة مع جمع، وقد كان وحده، الأمر يختلف. وتقول حزمون: ”الجنون حين نتبناه ونؤمن به يصير جزءًا من حياتنا“.

 

مواجهة دون خوذة وجعبة

إن صراعًا داخليًّا يشب داخل حواف المرضى من الداخل، لا تراه إلا عين مثبتة على القلب، ويحتاج من الإنسان دراسة لتلك الأطلال على الجسد، التي تخلفها حرب المريض مع ذاته، دون أن يحضر عقله للمراوغة، تلك المواجهة المباشرة، دون خوذة، دون جعبة، جسد تعرّى أمام طاحونة لا تنتج له إلا البرودة. هنا مسألة إنسانية تحتاج للدراسة لتغمر التفاصيل المتساقطة بدفء غطاء سريع الاحتراق أمام النور. لو كنت مكان الكاتبة لانطلقت في الجنون أكثر بين تفاصيل العمل، فكثيرة تلك المواقف، والبروزات الفنية التي كان القطار اللغوي يفرغ الأماكن ليحملها دون شكوى من الثقل.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com