كيف صنع أليساندرو باركيو الدهشة في مونولوج ”1900“؟‎

كيف صنع أليساندرو باركيو الدهشة في مونولوج ”1900“؟‎

المصدر: حسام معروف - إرم نيوز

الفكرة الغريبة، القادمة من خارج العالم البري، الآتية من البحر، تلك رؤية من يرى العالم دون أن يدخله، لكنه يصفه كأنه يسري في دمه، بعمق النبض، بتسارع أصواته، ذلك التحليل السري الذي يلتبس أمام الأشياء، حتى تتضح ساحرية الكشف من الباطن في ذروتها.

يقدم أليساندرو باريكو، في المونولج العالمي ”1900“ الصادر عن دار المتوسط 2018، بترجمة عن الإيطالية من معاوية عبدالمجيد، عرضًا فيه من المتعة الأسلوبية، ومقدرة نوعية في السرد، وإحباك الأمور، ويعمد إلى استدراج طبيعة جديدة لتوصيف الأشياء، كمن لا يرى الشيء، ويصفه دون أي التواء. إنها الطريقة المستقيمة في تجسيد الأشياء، كأنْ يسقط شعاع ضوء على الجسم، فيحيله كشفًا، واضحًا، دون أي إعتام.

إن حديث الراوي المدهش، لا تنفك عنه الحلقات، وهكذا كان راوي باريكو، لا ينفك صمغه عن الذهن، ويلتصق بكل ما فيه من دهشة في الأحداث. القصة تدور حول عازف لا هوية له، لم يتم تسجيلها في كشوفات الأحياء في العالم البري، قضى عمره في البحر، حيث ولد لقيطًا، فتمت تسميته 1900، ليكمل حياته في السفينة طيلة ثلاثة عقود، لم يشاهد خلالها أي قطعة من عمق العالم، لكنه وبكل غرابة كان يصف المعالم في البلاد وصفها الدقيق، دون أي شائبة، من خلال أحاديث المسافرين معه في الباخرة، من أحاسيسهم، من نظرات عيونهم، فيقول باريكو: ”اشتم تلك الرائحة في كلام أحدهم، في عيون أحدهم، على طريقته الخاصة“، ويقول: ”ملامح وجوه الناس تتشرب كل الأماكن والأصوات، والروائح التي يصادفونها، يحملون أراضيهم وحكاياتهم على أجبنهم“. إننا بطريقة ما نخزن الأماكن وننتظر شخصياتها، ونتنقل كشاشة عرض لتفاصيلها.

تلك المهارة التي لمعت على أصابعه، وانهالت من عقله، بحيث تطول عصاها لتلمس السحر، وتسكب على كل السامعين لعزفه على البيانو، حالة من السكر، بحيث لا يستطيعون الفكاك من دائرته إلا حينما يريد، وحيثما أراد. وتكون الثورة في المشاعر التي يصنعها باريكو، حين يأتي مورتن العازف الشهير في البر الذي كان يوصف بأنه يعمل بأربع أيدٍ، وينطلق مورتن ليقيم منازلة مع 1900 الذي سمع عنه من المسافرين المغادرين لظهر السفينة إلى البر، ويقوم العازف المجنون 1900 في البداية بإيهامه بأنه قد خسر أمامه في المنازلة، فحين يعزف مورتن يصف باريكو بدهشة مشهد العزف قائلًا: ”بقيت السيجارة في محلها على حافة البيانو، وقد احترق نصفها، لكن الرماد لا يزال معلقًا عليها، كأن الرماد لا يسقط، خشية أن يصدر ضجة ما“. لكنه يكون مخادعًا للجميع فيعزف أخيرًا، متفوقًا على العازف مورتن، ساحرًا إيّاه قبل الجميع. فلا يكون أمام مورتن إلا المغادرة أمام 1900، خائبًا، حاملًا سقوطه أمام أثر الفن الآتي من الماء الغريب، من تلك الحيلة اللا أرضية التي يصنعها البحر، ويصعد بك باريكو إلى دهشة أخرى حين يقول: ”أسند 1900 السيجارة على حافة البيانو، وكانت مطفأة، وبدأ يعزف، … كأن مائة تشارك في عزفها، … تسلق فوق لوحة المفاتيح وقرب السيجارة من أوتار البيانو، قدح شرر خفيف، وحين أرجع السيجارة من هناك، فإذا هي تشتعل!“. تلك التدرجات التي يصنعها باريكو في لوحاته الفنية مع اللغة، إنه يجعل من العادي درجة قصوى من الاندماج مع اللغة، مادًّا يديه بدهشة لم تكن لتعترضك من قبل، تلك الصرخات التي تخرج من العمق، من تسرب المتعة، أو حتى اندفاعها المقترب من اللهب، ليحرق مفاهيمك السابقة عن كيفية بناء الجمال، تلك السبيكة المتجسدة من ذهن باريكو، لن تتخطاك كما تفعل مع ألفٍ معك قد تعرضوا لضوء انفتح مع كلماته.

يكمل 1900 مواقفه المغايرة، كيف لا؟، هو يتقلب بفكرته مع التهور الذي تحمله الأمواج، ويتداخل مع الصوت الذي يحدثه الهواء المتحمس على ظهر سفينته، فيستغرب كيف تسقط اللوحة عن الحائط فجأة، ويفكك الطريقة التي تتحول فيها إلى حصاة، تنشق فيها عن المسمار، هل هو قرار سابق؟، هل هو ميعاد مؤجل؟، تلك الهيئة التي قرر فيها 1900 مغادرة البحر، والدخول للبر للمرة الأولى، مخبرًا صديقه، فيقول باريكو: ”إني أرى البحر من هنا، لكنني أريد أن أراه من هناك، سيكون مختلفًا إذا ما رأيته من هناك“. ويقول: ”بوسعي أن أبقى هنا ما حييت، لكن البحر لن يقول لي شيئًا، سأنزل الآن، وأعيش على الأرض، …. لأسمع البحر يصرخ!“.

لكن 1900 لا ينزل للبر، يبقى وتقوم الحرب في البر، ويعود صاحبه، ليراه يعزف على البيانو، وهو يجلس على الديناميت، إنها السخرية التي تملأ الإنسان أمام الموت، هو التحدي الأعظم في الجلوس على القبر، والعزف؛ لإسماع الموسيقى للأموات. لم يمتهن باريكو إحداث العمق تحت الكرسي الذي تجلس عليه الأفكار، بل بأساليبه الناعمة، استطاع أن يحملك معه إلى أسلوب البحر العميق في الإدهاش، إنه التجديد في التأمل.

الرؤية الفكرية التي ينثرها باريكو في هذا المونولوج الذي تحول من بعدها إلى فيلم عظيم، هي مطالبة بوصف الحياة كما تريدها، وعزفها من خلال مفاتيحها اللانهائية، فهي لا تقتصر على 88 مفتاحًا كما يفعل العازف على البيانو، لكنها لا نهائية، تعلم المرء التشظي، إن باريكو يقول للإنسان، عش غريبًا، إن كان الجمال في الغربة، عش في بعدك المفتوح على المتعة والجنون، إن كان هذا التغرب مصنعًا لذاتك الحقيقية، تلك الفلسفة التي تجعل من وجودك لعبة لا تمل.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com