فراش من رخام.. رسومات أفونسو كروش في ”الرسام تحت المجلى“

فراش من رخام.. رسومات أفونسو كروش في ”الرسام تحت المجلى“

المصدر: حسام معروف - إرم نيوز

إن الأشياء التي لا ترى أقوى من الأشياء التي نراها بأعيننا، وكذلك الكلمات، فكل معنى عميق لا يكون إلا في حالة تخفٍ عن العين، لكن له مستقبلات حسية في العقل الآدمي.

لقد استطاع الكاتب البرتغالي أفونسو كروش، من خلال ملاحقة العمق بشكل فيه من الرغبة الحقيقية، بما يكفي لخلق متعة فائضة، وذلك من خلال روايته ”الرسام تحت المجلى“، والتي صدرت بالبرتغالية، وتمت ترجمتها إلى العربية من خلال مها عطفة، وصدرت عن دار ”مسكيلياني“ للنشر والتوزيع،2018.

تدور أحداث الرواية حول فنان تشكيلي اسمه سورس، يحاول التخفي حول كل المفاهيم السائدة، ليصل من خلال رؤيته للأشياء بشكل مختلف، تلك صفة التخفي التي يريدها كل شخص منا ليعرف كل شيء، وهي الصفة التي تتيح لنا الغوص إلى الأبعد، ويقدم ”كروش“ من خلال بطله فلسفته، في الإنسان، والحب، والحرب، والكثير من المفاهيم الحياتية.

يرسم سورس منذ طفولته الأشياء على شكل دوائر، فهو لم يتعلم بعد الخط المستقيم، يقول كروش: ”كل شيء يسير في دوائر..، الذكريات، الحكايات“. ويتساءل لماذا يسير المرء في دوائر حين يغمض عينيه؟.

كما أن سورس يهتم برسم الأشجار، في الأشجار أعين كثيرة، هي الأوراق، وفي الخريف يصبح الجزء الأسفل للشجرة، يشبه الجزء الأعلى، حتى لو قلبنا الشجرة، سيكون لها نفس الشقين، دون ملاحظة اختلاف. هي طريقة يتبعها كروش من خلال فلسفته الخاصة في إعادة تخليق التفاعل النظري من العين، مع كل المحيطات فيها، فالأغصان التي تطلقها الشجرة للفضاء، هي بمثابة جذور.

يتطرق كروش لفكرة التفرع، فلن يصل الإنسان إلى أماكن قصية، ما لم يتجنب التفرع، التفرع كما يحدث في النبات، توزيع القوة، توزيع رمية الجذر لكرته رأسيًا، يحد أخيرًا من مدى وصولها. يقول كروش: إذا تجنب شخص التفرع، فإن بإمكانه أن يطال أماكن قصية“. حتى الجذع في منظوره، فإنه يواصل النمو إذا لم يتفرع إلى أغصان. ويعتبر سورس الكراهية تفرعًا، إذ إن الإنسان لم يبلغ هدفه طالما يلتفت بأمنياته وأفعاله، لسقوط الآخرين من حوله.

هذه الطريقة في إعادة وضع تعريف للشيء المألوف، هي أفكار ابتكارية، تمثل العزوف الأكمل عن المعنى الوحيد للشيء، ارتجالية جمالية، لا تختلف كثيرًا عن معرفة الطفل المقذوف للأعلى، من يدي أهله، هو يعلم أنه مهما ارتفع، له فراش من الأمان، سيتلقفه حال اكتمال رحلة العودة، والسقوط.

في الحب يصل ”كروش“ إلى أطر أبعد من العادي، فهو يتعامل مع القُبل بأن يمضغها، وقد عرف ”كروش“ العبادة حرفيًّا /ad oris/ بأنه تأتي بالشيء إلى الفم، أليست هي عادات الطفل في معرفته للأشياء، فكل شيء يقع في يديه، يقربه إلى فمه، و كأن كروش يريد أن يقول ”المعرفة هي الخامة الأصل للعبادة“. ويورد في فقرة أخرى: ”كلمة قبلة بالعبرية: تعني تنفس اثنين معًا“.

تلك القشعريرة، التي تطال الجسد لحظة تزامن أنفاسه مع العشيق، ثم يشبه القبلة غير المرئية، بأنها كرسام تحت المجلى، ويعوز إلى ذلك، رغبة العشاق في التخفي، وإغماضهم أعينهم وقت التقبيل.

إن ما يفقده الإنسان من هويته يبقى تحت كفالة الموسيقى، هي تعيده إلى طبيعته، وتنقيه من الزوائد، تلك رؤية ”كروش“ التي ومن خلالها يعيد إنشاء ذاته. كما ويقول: ”لو أن الإنسان يتحلى بالصبر الكافي، ليغني لمدة ست ساعات، متواصلة، للحم المطبوخ، فإنه سيعود إلى حالته التي سبقت طهيه“.

يركز ”كروش“ على دلالة الكلمة، فإنه المعنى الذي يتسلق عقل الإنسان، لمجرد نطق كلمة، فكلمة بارد تنزل، كلمة حار، تصعد. ويرى ”كروش“ أن كلمة باب تفتح وتغلق. ويعتبر كلمة ماء، إما أن نشربها، أو نغرق فيها، فهناك ناس عطشى، وهناك ناس غرقى. ويعتبر بأن لولا كلمة عمودي، لمشينا ونحن نجر أنفسنا، ولولا كلمة أفقي، لما كان باستطاعتنا أن نحلم إلا ونحن مستيقظون.

يرجع ”كروش“ إلى ڨصة القتل الأولى في الكون، يوم قتل هابيل قابيل، وبفلسفة خاصة يقول: ”القلب هو الحجر الأول، وهو أول الأسلحة، هو الذي قتل به قابيل هابيل“. حين يفكر ”كروش“، فإنه يكون استخرج عقله من صلصال رأسه، كمن ينظف سلاحه، كيف لا، وصوت المعنى يخرج من حروفه بدويٍ يطول أثره في النفس. ويكمل في نفس سياق التجريب في المعاني، فيضيف: ”البنادق ليست أسلحة، بل أنابيب، إنها الأدوات التي تسمح لقلوبنا، بأن تطلق النار“.

يحاول ”كروش“ ضمن حديقة الفلسفة التي يقطف لنا وروده منها، بأن يعبر عن قيمة الشيء الغامض، المخفي، الذي جاء على هيئة التغييب، بشكل استثنائي، عمدًا، فهو يرى أن الإبداع يحصل قوته من ظل أدمغتنا الداخلي. كما ويرى بأن الموت، وهو اللغز الأعقد في الوجود يصنع من أشياء لا ترى.

ويقول أيضًا: ”أصعب العمليات الحسابية، هي تقسيم الخبز، هذه هي الرياضيات البحتة“.

وعن الفن، يسكب ”كروش“ رؤيته لفكرة الفن، التي لا تتجاوز مسارات الغضب لدى الإنسان. ويقول: ”حين يستيقظ كل من التراب والقمامة، وينظران إلى نفسيهما، يكون الفن“. ويعتبر ذلك الفنان بأنه هو من يرى أشياء جديدة، في الأشياء القديمة.

يلفت الانتباه، بأن ”كروش“ كان له زيادة في التقرير، ورغبة في التنظير، وهو ما لا يحمد في السرد الروائي، لكن القيمة الجمالية، والقدرة على صناعة الكف اللغوي، من خلال استثارة الأفكار الجديدة حول الأشياء، تجعل من الرسام الغامض الذي يقطن تحت المجلى، كي لا يتسنى للعالم رؤيته، تجعل منه، حجر زاوية يغير العالم خط سيره، كلما مر من جانبه.

”كروش“ قدم الفن بشكل مغاير، وجعل من اللغة ثقوبًا محملة بالمتعة والمعنى، حتى صار بعد أن انتهيت من القراءة، كفراشة من رخام.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com