”بديع المحيا“ للكاتبة البحرينية ندى اليسير.. حيرة المرأة وقلقها الواقعي والوجودي

”بديع المحيا“ للكاتبة البحرينية ندى اليسير.. حيرة المرأة وقلقها الواقعي والوجودي

المصدر: تحسين يقين - إرم نيوز

تصور الكاتبة عبر سردية جمالية فعل شخصياتها وردود أفعالها، عبر حوادث قليلة، لكنها رغم ذلك تترك أثرًا عميقًا في النفس، وأثرًا عميقًا في الفكر، ليس فقط بالتفكير في مصير الشخصيات، بل في مستقبل الحياة الاجتماعية وعلاقة الرجل بالمرأة، وسط مجتمع ما زال يتعرض لتحولات لم تستقر بعد، تتعرض فيه القيم لتشظيات وتحديات، فيصبح مصير الشخصيات ليس فقط مرتبطًا بالمصير العام، بل ومنبئًا عمّا يمكن أن نكون عليه، باتجاه الوعي والخلاص الفردي والجماعي.

هذا ما رشح من رواية الكاتبة البحرانية ندى اليسير في روايتها الأولى، حيث تبدأ بطلاق غالية السعودية بعد سنتين من الزواج من البحراني عارف عبدالعزيز، وزواج الأخير من أخرى. تستدعي الماضي بشعور الحنين، حيث التقيا في جامعة البحرين زمن حرب الخليج. ثم لتختار زهدًا بالحياة العمل في مكتبة عامة، حيث صارت وحيدة بعد زواج أمها الثاني بطوني التونسي وانتقالها للعيش معه في الولايات المتحدة، ولم يبقَ لتتواصل معه غير صديقة والدتها ”فخرية“.

تلقي وفاة الوالد، وطلاقها، ثم هجرة الأم ظلالًا عليها، لكن لا تترك الصدف غالية وحدها، يظهر بديع المحيا فجأة ويختفي، استدعاء آخر للماضي، لكن بمزيج من الحنين والألم.

رغم نفور غالية من تكوين علاقة جديدة، إلا أنه ينجح رجل جديد ”عارف هارون“ حيث يقلب ماء أوضاعها الراكدة، الذي يدعوها للمشاركة في محاضرة له، ويكون لتشابه الاسم مع ”عارف الأول“ تحفيز لتلبية الدعوة، حيث ينجح ”عارف الثاني“ بجذبها نحو محاضرته وشخصيته.

بشكل غير متوقع تبدأ ”جميلة“ ابنة الخالة فخرية بالظهور في حياتها، بحجة الملل والضجر، وبطريقة أو بأخرى تعلن لها عن قصة حبها، إلا أنها لا تصاب بدهشة، بل تلقي عليها سؤالها: كيف تثقين برجل لم يعطك من مشاعره سوى الكلمات؟“ ص 88، الذي سيكون له معنى آخر صادم بعد مرور الأحداث.

بطريقة الصدفة ”وقعت عيناي على الكلمات المكتوبة، ومن ثم انتبهت أنها نسخة من رصيد تحويل مالي مدون عليه مبلغ مائة ألف درهم،.. المرسل جميلة خيري البهتان/المستقبل: عارف هارون.. كيف يجتمع عارف مع جميلة في ورقة واحدة، وهما اللذان لا يعرفان بعضهما البعض؟ ص94.

وبالرغم من تلك المعلومة الغريبة، إلا أنها تلبي طلب عارف الذي غاب عدة أيام، فتمنحه مبلغ مائة ألف درهم؛ بسبب وقوعه في مأزق ماليّ، كما زعم. في تلك الأثناء تطل أخبار عارف الأول من خلال خبر ترقيته في إحدى الصحف، فيثير الخبر شجنها من جديد.

تبدأ غالية بالتحضير للزواج، تلتقي بمنصور، وتعلم منه أن جميلة أخته تركت البلاد وتزوجت في مصر، حيث تصاب الخالة بسكتة دماغية بسبب الصدمة، في المستشفى تعرف أن زوجة عارف الأول تعاني سكرات الموت بسبب مرض عضال.

لكن لا تجري الرياح كما تشتهي، حيث تتزاحم الأحداث معًا: تأخر موعد طائرة عارف، الذي تتصل به لكن لا يرد، وبدلًا من ذلك تقرأ على شاشة إحدى الفضائيات خبر ”القبض على مدرب التنمية البشرية عارف هارون الذي احتال على مئات من النساء في العالم العربي.. المثير في القصة أن زوجته الثانية السيدة جميلة تقوم بمساعدته بعد أن هربت من موطنها الإمارات لتستقر مع زوجها المراوغ والمتهم بالنصب والاحتيال“ ص106. تصاب بالصدمة وتصحو في المستشفى.

تخرج من المستشفى لعالم جديد، تقرر ترميم داخلها وتجاوز ما حصل، ”لعل أكثر ما يعلمنا في هذه الحياة، ضربة موجعة من حبيب، وخذلان من قريب“ ص 116.

دائرة جديدة هل تكتمل؟ يظهر عارف الأول وتقرأ في عينيه الحنين، لكنها تقوم ذلك ”“ أيقنت بعد التجربة الأخيرة بأن الألم كفيل بجعل القلب يقسو وينسى ويتجاهل، فلا ينبض كنبضته الأولى“ ص112.

ما كان يأتي صدفة في المطعم أو في الصحيفة أو حتى في المستشفى، يعود ثانية؛ يعود إليها الحبيب/الزوج الأول، عارضًا عليها العودة للعيش معه مع أبيه بعد رحيل أمهما، وهنا تتساءل في آخر الرواية“ هل سيعود بديع المحيا ليكون قدري القادم، أم أن هناك عارفًا جديدًا تخبئه لي الأيام؟“ 117، في إشارة إلى حيرتها إزاء عارف/الرجل ومدى إمكانية الوثوق ثانية به أو الاطمئنان إليه.

ولعل الفقرة التي ورد فيها تصفح غالية لرواية ”للكذب رجال“ للكاتبة السعودية سارة العليوي، وسماعها لشكوى فتاة تعاني من خيبة الحب والرجال، حيث نمت تساؤلات: ”هل هذه نهاية الحب؟ هل جميع الرجال يتشابهون في الأنانية؟ هل جميعهم لا تشبعهم امرأة واحدة؟ هل عطاؤهم في الحب مزيّف؟ وهل المطلوب من المرأة الصبر على الغدر، الفرار أو الانهزام أو الهجر؟“ ص 84، كان لها أثر في تعميق الطرح.

ليست المشاكل مقتصرة على جنس الرجل، فهذا منصور ابن الخالة فخرية الشهم ذو الصوت الجميل صديقها المقرب، يطلق زوجته بسبب تورطها في تعاطي الحشيش.

كذلك قدمت صورة إيجابية للأب، فعلى عكس ما هو سائد، فقد كان هو الأقرب لها من والدتها حتى في الأمور التي تخص النساء، كان الأب والأم في ظل انشغالاتها.

ومن القضايا التي تطرحها الرواية، الصورة النمطية للمرأة المطلقة في المجتمع العربي، زاد من سوء الصورة وجود بيت للمطلقات، يمارسن تحررًا ما، مثل هديل، لكن بالتعمق نجد أنها خففت من تذنيبها ونساء أخريات مثل أم هديل وخالتها، حيث عانت هديل من زواج فاشل بسبب شك الزوج الدائم. كذلك عانت الخالة ”فخرية“ من الطلاق أيضًا، حيث تركها زوجها العُماني خيري. وهنا تحليل للطلاق، مذنبات أو ضحايا مسيرات، أو مخيرات على حد تساؤل الكاتبة.

خلال ذلك ثمة صور للمرأة هنا ما بين السلبية والإيجابية؛ فهذه صورة أم غالية، المنشغلة بنفسها: ”يستحيل أن أنجب غير غالية وأخرّب جمال جسمي“ ص23، والزواج بعد رحيل زوجها دون انتظار. ”لا أم ولا زوجة“ أنانيتها الاهتمام بالشكليات، واحتمالية كونها خائنة، من خلال تلك الحادثة التي روتها عن عودتها ليلًا متوترة وغسلها لملابسها الداخلية. التفرغ للمتع. وهذه صورة إيجابية لصديقتها وردة وأسرتها الصغيرة.

روائيًا، لجأت الكاتبة إلى السرد العادي، بقليل من استدعاء الماضي، مقدمة فصولها زمانيًا، مختومة بإشراقات عبارة عن سطرين، بمثابة استنتاج لما مرّ، ولما يمكن أن يكون في قادم الأحداث سعيًا من الكاتبة ربما لإضفاء التشويق، عبر لغة جمالية شعورية معبّرة عن الحالة الوجدانية احتلت جزءًا مهمًا من السرد؛ أي إننا إزاء سرد بشعور وجمالية لغوية ذات تكثيف شعري. من ميزات الرواية هنا وجود ”الرائحة“ كحاسة مؤثرة عمقت الشعور لدى القراء، تجاه تأثرها العاطفي. وكان من الممكن توسيع تفاصيل الوصف الدقيق والمشوق؛ كذكر ”رفضه الدائم لارتداء الساعة في يده اليسرى“، لما كان يمكن أن يقدّم صورة أكثر اكتمالًا عن الشخصيات.

ما يلفت النظر في النص نجاح الكاتبة في إدخال قصة ”نرجس“ التي يمكن أن تكون قصة قصيرة وحدها، حيث تم توظيفها شعوريًا وفكريًا، في ما تطرحه الرواية من مصير شخصي وعام للمرأة. تعرفت على نرجس في الكوافير، تلك المغربية التي خططت لتكون طبيبة نفسية أو أخصائية تربوية، إلا أن طلاقها من رجل خليجي، وتخلي أسرتها عنها دفعها نحو ممارسة الرقص في فندق، حيث اختارت معاقبة الرجال بجمالها ”دون أن أسمح لهم بالاقتراب من جسدي“ ص72.

ثمة ارتباك في بنية النص، خصوصًا في إقناع القراء في مسألة تحويل المال لعارف الثاني، في ظل ما اكتشفته من علاقة مالية بينه وبين ابنة خالتها.

وأخيرًا، نزعم أن تقديم الرواية بعبارة ”هناك من يقابلك بجمال المحيّا وبعذوبة الكلام، ولو أبصرت ما في قلبه لتعثرت بالعتمة والظلام..“ كتعبير صدمة البراءة، يؤثر على تلقي القارئ بما فيها من حكم، والأجدى ترك ذلك للقارئ/ة. وإن أحببنا وصفها للرواية بـ“أحداث خيالية بأوجاع واقعية“.

صدرت الرواية عن دار أفكار للثقافة والنشر، أما تصميم الغلاف فهو للفنانة رفعة العجمي.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com