لذّة الغرائبية في لغة ”بريد الليل“ لهدى بركات

لذّة الغرائبية في لغة ”بريد الليل“ لهدى بركات

المصدر: حسام معروف - إرم نيوز

تلك الرسائل التي لا تصل، أو التي تكمن القصدية في عدم وصولها، هي الرسائل المعدّة للخلاص، خلاص من الذنب، من رواسب العاطفة، من الأماني التالفة، هي الدروب التي سرنا فيها خلسة، وتلك لحظة الإعلان عنها.

من خلال الرسائل التي يكتبها أصحابها، ويتركونها في أماكن لربما لا يريدون إلا التيه عنها، تمرر الكاتبة اللبنانية هدى بركات، من خلال روايتها ”بريد الليل“  المتأهلة للقائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية، و الصادرة عن دار الآداب، 2018، نمطًا سرديًا غرائبيًا، يدعو إلى الغوص والانغماس في الأسرار التي احتوتها الرسائل، وبفكرة فوقية عمدت بركات إلى إيقاع الرسائل، على سبيل الصدفة، والأماكن مسارح للصدف، من يد كل بطل من شخصياتها، إلى يد البطل الذي يليه في السرد، يجد في رسالة سابقه ما يشبهه، ويكتب رسالته، في طريقتها تشبه رسائل الاعتراف للإله،  وفي الاعتراف للإله هل من الممكن أن نخفي شيئًا؟.

الحرفية إن امتلكها الكاتب، فقد يكون تمكن من الاشتباك مع حواس القارئ، بذلك الخيال المأمول، لشكل الاشتباك، إنها الحرفية في اللغة، أعني في تخليقها، وهدى بركات، تأتي باللغة من وسط جسده‍ا، في طريقتها السردية، وكأنها تعيد تجبير ساق اللغة، الذي لطالما يكسره الآخرون، وتفتح نوافذ يصعب عدها، على أسئلة تقترب من رأس الفلسفة، وكأنها تريد مسح تفاصيل، وكتابة تفاصيل أخرى.

بطريقة كنت أتخيلها، وشوشة للأفكار، واصل حبل السرد التعليم على الخاصرة، تقول هدى بركات: ”لا أريد أن أفتح لك نافذة على الحميمية، فالحميمية ورطة“، لكنها لا تفعل، ويبرز في لغة بركات البعد الحركي، واهتمامها بطريقة القرب، أو البعد الذي يتلاقى به الأشخاص فتقول: ”الكلام بالصوت المنخفض بين رأسين متقاربين، من نوع الاعترافات؛ لكسر العزلة، و إبعاد الوحشة عن قلوب كائنات حساسة، لا تحتمل الوحدة.

والحرفية في تشكيل الشخصيات، بحيث تبدو ظاهرة في تشكيلها، عميقة في تسريب ماء تتجمع من خلاله الأحداث، لم تكن شخصية الشاب المتخبط في معرفة صيغة علاقته بالأشياء، ومن ضمنها حبيبته، سوى التباس في الموروث النفسي في طبيعة علاقته مع المرأة، المتمثلة  في أمه، التي تركته في القطار، فتقول هدى بركات: ”في دماغي مناطق، لو صورناها، لوجدناها مطفأة، لا تصل إليها الكهرباء، هي بالضبط تلك المناطق التي تعالج الكآبة، والخوف، والعنف، والتخلي“.

وعن وصفه لحبيبته التي اعتبرها أمًا صغيرة، تسرد الكاتبة اللبنانية: ”من يقاوم أمًّا، يعرف تمامًا، أنها تريد أن تأكله!“.

 وعن خوفه من ذلك الشخص الذي يراقبه دون توقف، تقول هدى بركات: ”كأنه يراني في مخبأي“.

ذلك التحليل النفسي، الذي ركّبته هدى بركات من خلال لغتها، يفتح الغرف المغلقة في بيوت الذات.

 وعن شخصية تلك المرأة الخمسينية التي ملت من شكوى أعضاء جسدها، جرّاء التقدم في العمر، وكذلك ملت من انتظار  لقاء رجل غير متأكدة من عقد موعد معه في الفندق، فكانت تتعارك مع الذكرى، كأنها تفاصيل تحدث في الآن، وتهرس ممرات مضى فيها شبابها، بأحداثه الدقيقة، بما فيه من لحظات محملة بالإحساس، لتصنع شرابًا، تلتقي فيه الدفء الذي تطمح له الآن من خلال لقاء عاطفي، سافرت من أجله، تقول هدى بركات: ”بم تفيد تلك الذاكرة، وإن كنت تعلمت شيئًا من دروسها، فقد فاتك وقت التطبيق. صار وراءك….“.

 أما عن شخصية الشاب الذي يراسل أمه ليخبرها عن عزمه على التغير، وأنه لم يكن ليصير قاتلًا، لولا أن الظروف هي من ساقته، مثل عربة، ليكون كذلك، وعن قتله زوجته الخمسينية، التي احتضنته في تشرده، وما يثير غضبه من شغفها لممارسة الجنس معه، بجلدها المترهل، والشعر المتناثر على جسدها، لقد قتلها في لحظة غضب مكتمل، بعد أن كانت المساحة التي يلجأ إليها؛ لأنها فرصته الوحيدة للتخفي في الغربة، دون ورق رسمي من الدولة، مثل هكذا اعتراف، لا يحدث غير مع الإله، أو من خلال رسالة، لا نريد لها أن تصل.

لا تسير الأمور حسبما نفتح لها القنوات دومًا، هو ما قصدت إليه الكاتبة، من خلال المرأة المطلقة، التي تحولت إلى مومس، لإرضاء جشع أمها المالي، نظير الاعتناء ببنتها، وتحولها للخدمة التي أهانتها، وجعلتها خادمة لأي شخص، ثم صارت مجرمة و سارقة، هكذا تستدرجنا الصفات الخبيثة، فلا تأتي دفعة واحدة.

فكرة موت ”البوسطجي“، يعني أن الرسائل ستقف عن دورتها الحياتية، وأنها ستتكدس، ولن يكون هناك تصريف لها إلى أيدي وصدور أصحابها، ستكون جثثًا تحتفظ بأسرار المرسل، تحمل وجعه، حبه، جرمه، إنها تنبض على طريقة ”البوسطجي“ في الإلقاء، لمن لا يعرفون القراءة.

ما صنعته هدى بركات من الغرابة في نظم اللغة، قد كان من ذلك النوع من اللذة، التي لا تهرب من النفس، بكل ما تمتلكه من تشابه مع مادة العقل المكرسة للإبداع، ولم تكن تلك المهارة في إدارة السرد، وحدها، هي المتوغلة، إنما دراماتيكية الحدث، والرمزية كبذرة للبوح، حول المسكوت عنه.

تقول هدى بركات على غلاف الكتاب :“ليس في الرواية من يقين، ليس من قتل مجرمًا، وليس المومس عاهرة. إنها، كما زمننا، منطقة الشك الكبير، والالتباس، و إمّحاء الحدود، و ضياع الأمكنة، والبيوت الأولى“.

تلك الحالة من تبادل الصفات التي من المتاح لها أن تتم بين الشخصيات، كما تم تبديل هاجس كل شخصية، برسالة الشخصية الأخرى، تجعل من العمل السردي لدى هدى بركات، مسرحًا، لتفكيك النص، وتوزيع الأدوار على الجمهور، لكتابة رسائلهم التي لا تصل، وتسليمها لشخص آخر في القاعة، معصب العينين.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com