قراءة في المجموعة الشعرية “مقبرة لم تكتمل” لمجد أبو عامر

قراءة في المجموعة الشعرية “مقبرة لم تكتمل” لمجد أبو عامر

المصدر: حسام معروف - إرم نيوز

يحاول الشعر في كل مرة أن ينزل إلى الحفرة التي يقيم فيها العالم، لكنه لا يستطيع أن يهوي أكثر، فهو ينزل إلى مكان يصبح من الممكن لرواده الصعود إليه، يأخذهم على ظهره، ويحلّق بهم بعيدًا، العالم الذي تركب أحصنته الحروب والأحزان، وتقف في وجه قاربه دوامات من العنف، لا يختلط به الشعر، إنه يسكن في النفس التي تحمل بذرة السلام، ويوصف الطريق إلى الشعر بفترة الحرب القصيرة إلى ذاتك، تلك التي تجلب لك المعرفة بما تصنعه الأشياء من حولك، من أجلك ومن أجلها. إن ما يتبدى عليه الشعر من هيئة، لهو طريقة جيدة للفهم الأكثر عن الغامض، بحيث يصبح عليك التساؤل، هل مسافة القرب من الشعر، هي نفسها مسافة القرب من الإنسانية؟.

يقول ريلكه: “لا تكتب الشعر إلا عندما تشعر أنك ستموت إذا لم تفعل”، وهو يحاول أن يجعل للشعر قدسية المترفع، وبأن يبعده عن أن يطاله من يريد التسلق، هو مهنة من يمتلك اللغة القادرة على نثر الإغواء في القلب الذي يعرف الجمال طريقة للتسرب إليه.

من يعرفون الدرب نحو الشعر قلة، رغم كثرة المدعين، وهنا شاعر يمتلك قدرة ليست عادية في خدش جدار المعرفة، والوصول إلى الذات الإنسانية، من خلال الطيور الرشيقة المصاحبة لنصه، وكأنها تبحث عن أعشاشها داخلنا. مجد أبو عامر شاعر فلسطيني ممتلئ بالهاجس المطلق، يسير معه مصطحبًا الجمال الذهني، وكأنه يقوم بدور الظل، يتخفى خلف الأبواب التي يفتحها في قصائده، وتتسارع الأسئلة المقدسة، للهرب إلى العالم من كلماته، في مجموعته الشعرية  “مقبرة لم تكتمل” الصادرة عن دار خطى 2018، التي يبدأها باعتذار للقارئ المعجب بشعره، أو ذلك الذي أصابته الخيبة مما قرأ، وتلك طريقة المبدع في التخلي عما كتب، بعد أن يصبح إحساسه معرّضًا للهواء، كما الحبر المسكوب على الورق.

 

انتحار

و يصر “أبوعامر” بأن فعل الكتابة، هو فعل انتحار من خلال قوله “كلما مات شاعر نقص عدد المنتحرين” فهو بذلك يدخل القارئ لعالم الشاعر، المليء بالتناقضات، التي تنزع عنه طبيعته الداخلية الملساء، ويقربنه إلى زواله، بقدر ما يجمع الصخر الخشن في ذاته.

 

مصيدة

تلك السلبية التي يشهرها أبو عامر في قصائده، مثل مصيدة فتتشابك روحه مع كل حزن يمر حوله، أو يلمحه من بعيد، ليحقق الغاية من وجوده حيث يقول: “لا تقع الحوادث، إلا لأجد مبررًا، لحزني السرمدي”، هي الحوادث التي تتجلى ليطلق حزنه للعالم.

 

مجهول

يقدم “أبوعامر” على السباحة في المجهول، مثل قارب تحركه الكلمات، هي من تحدد له مسيره إلى موعد غرق جديد، وتتناقض الحيوات داخله مثل أن يسيح جبل من جليد، ويقوم “أبوعامر” بكسر زجاجاته التي تتكوم داخله، من خلال العمق الذي يتفجر في شعره فيقول: “كل هذا المجهول فيّ، وتقنعني أنك بحر!”، تلك الحالة من الصداقة، والتكذيب للبحر، أو من الاستصغار لهيبته، حينما نظر إلى داخله، ولاحظ ما يخلفه تمشيط عشبته الداخلية من قبل المجهول.

 

سائل

يستغرب “أبوعامر” من سيولة الأشياء التي تتحرك حوله، وكيف أنها تحمل الصفات التي حملها، فهو يصف الماء كالذي يصف ماءه، وكما عودته الحياة على اقتصاص دفئه، يتساءل عن حزن الماء، إذا طال، من يقصه؟، وهنا يبدو كمن اجتر ذاته الشاعرة، إلى وسط البحر، ليظهر رفضه لحركة الماء حوله بذات الطريقة، في مشهد فيه من الحزن والثورة والسخرية، تلك المقتطعة من جسده، وكأنه يعيد استحضار ذاكرته، ليضرب الماء، محدثًا كل ذلك الموج.

تساؤلات “أبوعامر” الشعرية، للماء والقوارب وملح البحر، وحتى الأسماك، كانت بمثابة محاسبة لمجتمعه الذهني، وهو التظليل الذي يحدثه الشعر، بمجرد انبثاقه، وهنا يحاول “أبوعامر” أن يحاسب ذاكرته أيضًا، على قبولها بالقوالب الجاهزة، من خلال خلق ذاته أمامها، بتكرير الجنون مع الأشياء، وإخفاء لحظي للعقل.

 

تناقضات

هل من سر للذاهب إلى الإعدام غير البكاء؟ هل من صيغة غير الرفض؟، هل من فعل غير التناقضات وصفع الأبواب الداخلية؟، لاءات كثيرة تطفو على كلماته، تخفي ما تحتها من رفض عميق، إنها صيغة العالم في نفس هي أقرب للموت منها للحياة، هي مشنقة الحياة عند “أبوعامر”، هو الذاهب دائمًا إلى عدمه، يمارس الحياة على شكل مستقبلٍ للصفعات، ولا يعرف ما السبب وراء ذلك!.

 

حمل إلى الأبد

يمتن “أبوعامر” إلى البرواز الكبير، هدية أمه، التي حملته سبع سنوات، وهو يرد لها هديتها، بحملها إلى الأبد، راحلة إلى حيث تتوقف الحياة، دائمة في نفسه الشاعرة، وروحه التي أغرقتها الدموع من بعدها، ويشير بنظرته إلى كل ما تلتقطه ذاكرته بوصف مائي بقوله: “الصور دموع الكاميرا”.

حين يذكر “أبوعامر” المرأة في شعره، فكأنه يصف الملجأ والحاضنة، هي قليلة الذكر كمسمى، لكنها متخفية خلف كل فكرة، خلف كل قصيدة أراد بذرها، كانت أمه، وعشيقته، والمرأة الشغوفة للجمال، لكنه حين ذكرها، صنع لها يدًا تصافح المأساة، وتطوي ليلها وتعانق البكاء، معبرًا عن مربع الحزن الذي تعيش فيه الكائنات في غزة، إثر الحرب والمحاضرة.

 

شعر للموتى

يحاول “أبوعامر” طرق آذان الموتى بالشعر، والذين قد يكونون قد غفلوا عنه في حياتهم، ويلاحقهم بتساؤله: “هل ثمة أمسيات شعرية للموتى؟”، وكأنه يريد أن يلاحق الموت بالجمال.

ويستمر في حالة المرور عبر حواجز الشعر على دربه الوعر، ويثبت براءته بأن يكتب الشعر للمجانين، والأجساد البعيدة، ولكل متعطش للجمال.

الشاعر المتمني لمعرفة كل المهن والمغامرة معها، ليسد الفراغ الهائل بين الأسئلة، والإجابات، إنها الصيغة التي أعدت ليمر العالم من فوقها، تاركًا لـ”أبوعامر” وغيره من الشعراء، مهنة الشعر، بالتساؤلات الملغومة، والرقة في الطباع، محاولة للنجاة، ولكن هيهات.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع