مخزون الآثار في المملكة كنز لا يعرفه السعوديون

مخزون الآثار في المملكة كنز لا يعرفه السعوديون

المصدر: الرياض – إرم نيوز

تبقى الآثار المكتشفة في أراضي المملكة العربية السعودية عرضة للإهمال الرسمي وضعف الترويج لها، ما يثير حفيظة مثقفين سعوديين، يؤكدون أن غالبية آثار بلادهم غير معروفة للمواطن السعودي.

ويرى الكاتب السعودي خالد السليمان أن المعالم الأثرية من الممكن ”أن تسهم في صناعة جذب سياحي حقيقي، وتحقيق رافد للاقتصاد الوطني بفضل حركة الزوار المسلمين التي لا تنقطع“.

ويسلط الكاتب في مقال نشرته صحيفة ”عكاظ“ السعودية، اليوم الإثنين، تحت عنوان ”نفض الغبار عن الآثار“، الضوء على معالم أثرية شاهدها خلال زيارته للمدينة المنورة، لم يكن على علم بوجودها، معبرًا عن استغرابه ”لأنها ليست على خارطة الترويج السياحي للمدينة المنورة“.

غياب الرقابة

ومن أبرز تلك المعالم ”أطلال قصر التابعي عروة بن الزبير بن العوام والقلعة المجاورة له، التي قامت هيئة السياحة بترميمها، لكنها أهملت المكان المحيط بها فتحولت إلى ساحة ترابية لتجمع النفايات وتوقف سيارات النفايات الثقيلة“.

وكذلك ”أطلال قصر اليهودي كعب بن الأشرف الذي ورد في قصة قتله الشهيرة قول النبي صلى الله عليه و سلم: (من لي بكعب بن الأشرف فقد آذى الله ورسوله)“.

ويقول الكاتب ”إن مثل آثار هذين المعلمين السياحيين في دول أخرى يعتبران منجم ذهب للجذب السياحي، أما هنا فوجدتها نهبًا للرياح ولو قمت بأخذ أي من حجارتهما الأثرية ما منعني أحد“.

مواقع تراثية عالمية

وتضم السعودية عددًا من المواقع التراثية العالمية؛ أبرزها مقابر مدائن صالح النبطية المنحوتة في الصخر، والواجهات المزخرفة للبلدة القديمة في جدة، وكذلك الزخارف الحجرية العتيقة المستترة بين جلاميد الصخر في الصحارى الشمالية.

نقص في المرشدين السياحيين

ويضيف السليمان: ”أما متحف سكة الحجاز العثمانية، فرغم الاهتمام البالغ والتنظيم الرائع والعرض الاحترافي للمقتنيات إلا أن المكان بحاجة لمرشدين سياحيين يتولون الشرح للسياح، وحبذا لو تم توفير أجهزة سمعية تعريفية على غرار الكثير من المتاحف العالمية“.

آثار فرعونية

ويغيب عن غالبية المواطنين السعوديين التعريف بأحدث المكتشفات الأثرية، بسبب ضعف الترويج، ومن تلك المكتشفات المهمة، عثور السلطات السعودية، عام 2010، للمرة الأولى في أراضي المملكة، على نقوش فرعونية عمرها حوالي 3100 عام، تحمل توقيع الفرعون رمسيس الثالث.

وسبق أن أكد نائب مدير الآثار والمتاحف في الهيئة العامة للسياحة والآثار، علي إبراهيم الغبان، أنه ”تم اكتشاف أول نقش هيروغليفي في الجزيرة العربية على صخرة ثابتة بالقرب من واحة تيماء، يحمل توقيعًا ملكيًا للملك رمسيس الثالث أحد ملوك مصر الفرعونية الذي حكم مصر بين 1192 – 1160 قبل الميلاد“.

وأوضح الغبان أن علماء الآثار السعوديين أجروا بحثًا ميدانيًا ومكتبيًا توصلوا من خلاله إلى وجود طريق تجاري مباشر يربط وادي النيل بتيماء شمال غرب المملكة على بعد نحو 200 كلم من تبوك.

وأضاف أن هذا الطريق كان يستخدم في عهد الفرعون رمسيس الثالث في القرن الـ12ق.م، وكانت القوافل المصرية تسير فيه للتزود من تيماء بالبضائع الثمينة التي اشتهرت بها أرض مدين مثل البخور والنحاس والذهب والفضة.

استعادة آثار مسروقة

وفي العام 2009، أكدت السلطات السعودية أنها تمكنت من إعادة كميات كبيرة من القطع الأثرية التي تم تهريبها لخارج البلاد وعرضها في متاحف كبرى حول العالم.

واستعانت السعودية بعديد من دول العالم والاتصال المباشر مع الجهات الرقابية على الآثار والشرطة الدولية في عمليات بحث وتقصٍ أسفرت عن عودة العديد منها للأراضي السعودية.

ويشير مسؤولون سعوديون إلى أن خروج بعض الآثار من المملكة، يتم عن طريق بعض الأفراد من مواطنين ومقيمين، وكذلك عبر شركات التنقيب أثناء أداء مهامها.

دعم السياحة الداخلية

وبهدف الاستفادة من مئات الآلاف من السياح السعوديين في كل عام ممن يخسرهم قطاع السياحة الداخلية السعودي، إذ يفضلون قضاء إجازاتهم في دول عربية وأجنبية، ترتفع أصوات اقتصاديين ومثقفين سعوديين، للمطالبة بدعم السياحة الداخلية والاعتناء بالمعالم الأثرية.

وسبق أن سلط الكاتب السعودي، خالد الوابل، الضوء على أرقام ونسب تعكس ازدهار سياحة السعوديين في الخارج وتراجعها في الداخل؛ إذ ”بلغ إنفاق السعوديين، عام 2015، على السياحة الخارجية 96 مليار ريال.. وأنهت دائرة الجوازات إجراءات 2.8 مليون مسافر، خلال إجازة منتصف الفصل الدراسي الأول“.

ويقول الوابل إن ”السعوديين يتصدرون قائمة الشعوب الأكثر سفرًا في الشرق الأوسط، إذ يتراوح معدّل عدد رحلاتهم بين 4 إلى 5 مرات في السنة، وبلغت قيمة حجوزاتهم عبر الإنترنت حوالي 35 مليار دولار، تمثّل السعودية 25% من كل الحجوزات التي تتم في منطقة الشرق الأوسط؛ حسب دراسة أجرتها شركة Travelport“.

وأكد المستشار عبد العزيز آل شاكر  أن ”الكثير من السياح السعوديين ينفقون في الخارج أقل مما ينفقون داخل المملكة بنسبة تصل أحيانًا إلى 20%“.

خطط رسمية

وتسعى المملكة في إطار مساعيها لإنهاء اعتماد اقتصادها على النفط، إلى تعزيز قطاع السياحة، عبر محاولات جذب اهتمام السياح السعوديين إلى السياحة الداخلية بدلًا من الإنفاق على الإجازات في الخارج.

مساعي المملكة في جذب السياح تصطدم بعوائق كثيرة؛ أبرزها غياب ثقافة السياحة الداخلية لدى شريحة واسعة من المواطنين وانعدام ثقتهم بالمرافق المحلية، وضعف الجانب الترفيهي في السياحة الداخلية، في ظل أعراف المجتمع السعودي، أكثر المجتمعات العربية والإسلامية محافظة، بالإضافة إلى ارتفاع فواتير تشغيل وصيانة المنشآت السياحية، ما يجعل الكثير من المستثمرين يتخوفون من وضع أموالهم في المشاريع السياحية.

ضعف التمويل والبنية التحتية

وقال رئيس اللجنة الوطنية للسياحة بمجلس الغرف السعودية، عبد اللطيف العفالق، إن ”السياحة في المملكة مازالت في مرحلة البداية ما يحتم على الجهات المسؤولة أن تضع حوافز مشجعة وتضع خططًا قوية تجعل البيئة الاستثمارية السياحية جاذبة وليست طاردة؛ لأن البيئة السياحية الحالية ليست جاذبة ولا أحد يستطيع أن يقول ذلك، وكل ذلك يعود إلى عدم البنية التحتية المتكاملة وعدم وجود تمويل وصعوبة توصيل الخدمات“.

عقود من الإهمال والتدمير

وبعد عقود من الإهمال والتدمير للمواقع الأثرية، تسعى الحكومة السعودية إلى ترميم مواقع تاريخية، عبر تخصيص حوالي مليار دولار لصون التراث، إلا أن الإهمال الذي استمر عشرات السنين  والتدمير المتعمد في بعض الحالات يؤكد صعوبة إنقاذ الكنوز الثقافية وارتفاع كلفتها.

السياحة الدينية

وتعمل المملكة على استثمار توافد الحجيج والمعتمرين إلى الأراضي المقدسة، عبر تشجيعهم على زيارة مواطن جذب أخرى في مختلف مناطق البلاد.

وبعد أن كان الحجيج والمعتمرون يمنعون من الخروج من مناطق المشاعر المقدسة لأعوام سابقة، سمحت السلطات بخروجهم إلى مناطق أخرى في إطار خطط دعم السياحة.

هدم أقدم الآثار الإسلامية

وفي إطار منع المملكة للأضرحة والمقامات، لشبهة تعارضها مع مبادئ الدين الإسلامي، طال الدمار غالبية الآثار التي تعود لحقب إسلامية عدّة؛ وبشكل خاص في مكة، إذ هُدِمت بيوت قديمة تعود إلى حقبة صدر الإسلام، وأزيلت مقابر الصحابة.

كما تسببت عمليات توسعة وترميم الحرم المكي بهدم آثار أخرى، يعود بعضها إلى الحقبة العباسية، بالإضافة إلى قناطر وأعمدة تعود للحقبة العثمانية.

مخاوف التيار المحافظ

وكان العاهل السعودي الراحل الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود، سعى إلى انفتاح المملكة المحافظة، عبر تشجيع السياحة والاستثمار الأجنبي، لتقليل الاعتماد على النفط، لا سيما في المناطق الأكثر فقرًا جنوب البلاد. ولكنه واجه معارضة من رجال الدين الذين يشرفون على قطاعات كبيرة من المجتمع، ويخشون أن يؤدي السماح للسياح بالقدوم إلى تغيير الطابع الإسلامي للمملكة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com