”مذكرات كلب عراقي“.. بطولة جديدة للحيوان في فضاء السرد العربي

”مذكرات كلب عراقي“.. بطولة جديدة للحيوان في فضاء السرد العربي

المصدر: نعمة عز الدين- إرم نيوز

يحتل الحيوان في فضاء الإبداع العربي، دور البطولة في العديد من السرديات العربية الهامة، وهناك عدد لا يستهان به من الشعراء والروائيين العرب، تقربوا من حياة تلك الحيوانات، لكي يستخلصوا الحكمة ويسعوا إلى الخلاص من قلقهم الإنساني، متأملين بفضول إبداعي، حياة الحيوان المليئة بالشقاء والصبر على المصير المقدر سابقًا.

آخر هؤلاء الروائيين، الذين استعانوا بسيرة أحد أوفى الحيوانات لبني البشر، وهو الكلب، الكاتب العراقي عبد الهادي سعدون، في روايته الهامة ”مذكرات كلب عراقي“، والتي أعلن مؤخرًا موقع دار نشر ”كالامبو“ الإسبانية، عن صدور ترجمة إسبانية لها.

كما تم تكريم الروائي العراقي، الشهر الماضي، بوصفه أهم شخصية أجنبية متواصله مع الثقافة المكتوبة باللغة الإسبانية، وتأتي روايته ”مذكرات كلب عراقي“، بعد دواوينه الشعرية ”عصفور الفم“ و“تأطير الضحك“ و“ليس سوى ريح“ و“الكتابة المسمارية“، ومجموعتين  قصصيتين: ”انتحالات عائلية“ و“اليوم يرتدي بدلة ملطخة بالأحمر“.

ويقدم سعدون، المولود في بغداد عام 1968، والمقيم في مدريد منذ عام 1993، روايته ”مذكرات كلب عراقي“، وفقًا لتقاليد حكائية تدور على ألسنة الحيوانات، وإن جاءت بأسلوب وبنمط روائي معاصر، وعليه هي تقارب بأسلوبها الروايات الباريسك (الصعلوكية)، من خلال تتبع حياة الإنسان منذ لحظة ولادته حتى نهاية حياته.

يسرد البطل ـــ الكلب ــ في مذكراته، الوقائع الغريبة والأحداث العجيبة، التي جرت له في 28 فصلًا، حيث ولادته عند نهر دجلة، ورفقته لصاحبه المعلم المعارض السياسي لأوضاع البلاد في ظل حكم حزب البعث، ورحلات الصيد، وظروف تشرده وحبسه وانفصاله عن صاحبه، وفقدانه لعائلته وتهجير أشقائه، ومن ثم موت معلمه على يد الغوغاء، بعد أن عانى من سجون الحكم السابق.

ويتابع الكاتب سعدون في روايته ”مذكرات كلب عراقي“، ما جاءت به الأوضاع الجديدة بعد سقوط الطاغية، وما حدث للعراق من انقلاب عصف بكل شيء، وتنقلاته الكثيرة ما بين مدينة وأخرى، والكلاب التي يلتقيها في ترحاله، والعصابات الكلبية، والأشقاء المبعثرون كل في جهة ومصير مختلف، والأصدقاء والأعداء المتنامين، والحب المتأخر والفقدان الدائم، حتى هروبه الأخير من البلاد والإقامة في بلد آخر (لا أريد أن أذكر له اسمًا) على حد قوله، ومن ثم انتظار لحظته القادمة، مركزًا اهتمامه على كتابة مذكراته الكلبية هذه، كي تنفع بترك آثارها على من يرغبون بسرد وقائع حياتهم، متمنيًا ”أن تكون عبرة ومثلًا لكلاب المستقبل فيما لو شاءت كتابة فصول حياتها بنفسها“.

يقول الكلب ”ليدر“، مسجلًا كلماته الاخيرة: ”لا شيء آخر أضيفه بعد، فأقول إنني المدعو (ليدر) أدون هذه الأوراق بكامل إرادتي، وليس لي غرض منها سوى مراجعة تفاصيل ما عشته، وكأنه يمر بخيالي كشريط حي بكل مرارته وحلاوته“.

هنا، مرر عبد الهادي سعدون، بحرفية ذكية ولفتات مدهشة، وصفًا لحال العراق، إبّان فترة الرئيس الراحل صدام حسين الأخيرة، إلى ما بعد سقوطه من خلال ”مذكرات كلب عراقي“، أو كما يقول هو عن الأسباب التي جعلته يجعل من عالم الحيوان معبرًا لحياة البشر: ”كتبتها على لسان حيوان للهروب من الأنسنة، حتى لا أتكلم على لسان عراقي يصف الأحداث، كان الأمر يؤرقني لا أعرف كيف أكتبه، الكلب وفيّ من الصفحة الأولى حتى الصفحة الأخيرة، وفيّ جدًا لعراقيته، وفيّ جدًا للمعلم الذي علمه اللغات وحب الأدب، هو كائن مثقف يتكلم لغات ويحكي القصص ويقرأ، وهناك نظرة إنسانية في هذا الكلب، لكن مسألة الوفاء نقطة مهمة جدًا لديه، الكلب وفيّ إلى آخر نقطة، بدليل أنه عندما قتلت كل الشخصيات المحبة له من عائلة معلمه وشخصيات عديدة، لم يجد مخرجًا إلا النسيان والهرب، كما نفعل نحن العراقيون بالخارج، نهرب لنسيان هذا الواقع المرير“.

هذه ليست المرة الأولى، التي يهرب فيها روائي عربي إلى عالم الحيوان، لكي يبث له حيرته الوجودية وقلقه المستمر في دنيا البشر، فلقد فعلها من قبل الروائي المصري ناصر عراق، في روايته ”تاج الهدهد“، التي تدور أحداثها في القاهرة من خلال حكاية معتز مختار، المخرج الصحافي الشاب المهووس بالطيور والحيوانات، والذي يعمل في صحيفة معارضة بالاسم فقط لنظام الرئيس المخلوع حسني مبارك، حيث يقع في غرام زميلته في الصحيفة، نشوى صاحبة الأفكار المتمردة، والتي يراها تسير دومًا بصحبة الفراشات الجميلة، لكنها ترتبط عاطفيًا بصديقه الشاب الثوري أدهم، الأمر الذي يحرق فؤاده ويزيد من انكفائه على طيوره وحيواناته، التي تتجسد له في كل مكان وأي زمان، فيتأملها بافتتان ويحادثها بمحبة، ويسعد بصحبتها، مستعيدًا حكايات جدته عن هذا العالم الساحر، ومقتنعًا بحكمتها القائلة: (على البشر أن يكونوا فخورين بانتمائهم إلى عالم الحيوان).

أما الروائي شريف الغريني، في روايته ”ذئاب وأسود وقمر واحد“، فقد عمل على استخلاص الحكمة من عالم الحيوان، حيث تنقسم الرواية إلى ثلاثة أقسام، الأول خاص بعالم الذئاب، والثاني يخص عالم الأسود، والأخير للقمر الذي ينضوي تحت لوائه الجميع في الغابة.

وفكرة الرواية على الرغم من بساطتها، في منتهى الأهمية، وهي أن الكائن تتغير طبيعته إذا تخلى عن أهم صفاته، وفي الرواية نجد أن الذئب الأسود ملّ من البحث عن فرائس، وحسد الكلاب في قصر قريب على حياة الدعة، وساعده مسخ يقيم في كهف قريب في الغابة بالسحر على التحول من ذئب حر حكيم إلى كلب يؤثر الحياة بين الأسوار، وقد عاش فترة من الوقت هكذا، لكنه حنّ سريعًا إلى حريته في الغابة، ورأى بعين المحروم ما كان فيه من نعيم.

وكان في قصائد الشعر العربي أيضًا، أبيات تنقل عالم الحيوان وصفاته، ولعل أشهرها ما كتبه أمير الشعراء أحمد شوقي (1868-1932م) في الجزء الرابع من الشوقيات، عن المكتبة التجارية الكبرى بمصر، والصادرة عام 1983، والتي تضم 76 قصيدة، خصّ منها الحيوان والطير، وغيرهما، بـ 53 حكاية شعرية، تستوحي نمط قصص كليلة ودمنة، وقصص ”لافونتين“ مبينًا جوانب الحكمة والعبر التي يمكن استخلاصها من عالم الحيوان الغامض والساحر، ولقد حظي الثعلب بنصيب الأسد، فكان أكثر الحيوان ذكرًا في قصصه (9 قصائد)، حيث يراه أمير الشعراء رمزًا للخبث والمكر والخديعة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com