logo
ثقافة

"السوق المريضة.. الصحافة في العصر الرقمي" لكرم نعمة.. تداعيات أزمة وجودية

"السوق المريضة.. الصحافة في العصر الرقمي" لكرم نعمة.. تداعيات أزمة وجودية
31 أكتوبر 2022، 6:20 م

يناقش كتاب "السوق المريضة.. الصحافة في العصر الرقمي" للكاتب والصحفي العراقي كرم نعمة الصادر مؤخرا عن "دار لندن للطباعة والنشر"، واقع الصحافة الحالي، الذي تحول إلى "أزمة وجودية"، إن جاز القول.

وأوضح كرم نعمة، في حواره مع "إرم نيوز"، أن الكتاب لا يكتفي بشهادات عما تعانيه الصحافة من متاعب تحديات في الزمن الرقمي بل يقدم حلولا، حيث إن "الصحفي مطالب اليوم بصناعة جيله من القراء المتواجدين في منصاتهم الشخصية أو هواتفهم الذكية وإعادة صناعة الصحافة بدل استبدالها"، حسب تقديره.

وهنا نص الحوار مع الصحافي كرم نعمة

"السوق المريضة.. الصحافة في العصر الرقمي"، هل هو توثيق وتحليل لما تعانيه الصحافة اليوم من أزمة وجودية؟

مفردة توثيق قد تكون جديرة بالتعبير عن متن الكتاب، لكنها لا تفي بالغرض ولا توصل التعريف كاملا بكتابي الخامس.. والتوثيق هنا في شهادتي الصحفية على أكثر من عقد على الأزمة الوجودية التي تعيشها الصحافة، كنت شاهدا وفق المبدأ الصحفي الذي يقول بكل تواضع سمعت وشاهدت، ولا يقول فعلت.

لكنني لم أكتفِ بدور الشاهد في متن هذا الكتاب، بل ذهبت أبعد عندما حاولت ربط القارئ العربي بأزمة الصحافة العالمية وكل ما تواجهه، بمتابعة تداعيات الأزمة الوجودية ليشعر الصحفيون العرب بأنهم ليسوا وحدهم يعيشون في كنف تلك الأزمة..

وساهمت بإطلاق الأسئلة واقتراح الحلول الممكنة وما يساور المجتمعات الديمقراطية من قلق على مصير الصحافة بوصفها التعبير الأمثل لربطها بديمقراطية حرة من الأفكار والمعلومات، محاولا تشجيع المجتمعات العربية على إبداء قلق أكثر على صوتها المعبر والمخلص لجوهر الصحافة بعد أن تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى الحنجرة العميقة.

خصصت فصلا في الكتاب لتؤكد أن المشكلة في الصحافي أيضا وليس في القراء، كيف ذلك؟

يميل الصحفيون إلى اعتبار أنفسهم مواهب فردية، مدفوعين بغرائزهم الجريئة، يجدون ويكشفون قصص الآخرين. بدلا من ذلك، يجب أن يفكروا في عملهم كعنصر واحد ضمن نظام شامل، لأننا كصحفيين لم نعد وحدنا في بناء غرف الأخبار وإعادة تسويقها.

والمعضلة أن الصحفيين لا يمتلكون الجواب في تعريف أنفسهم ومَن هم في العصر الرقمي، وما أهمية عملهم بين جيل الهواتف الذكية، ولسوء الحظ أن التاريخ نفسه عاجز عن تقديم دروسه لهم من أجل استلهامها.

صحيح أن التاريخ قد أرّخ لكل الإنجازات الصحفية في مدونته، لكن تلك المدونة على ضخامتها لا تقدم درسا في العصر الرقمي، إنها مدونة الحنين والمجد الآفل ليس إلا، والتاريخ ليس أبا ضامنا للصحافة من أجل مستقبلها، لأن السوق المريضة تزداد مرضا، وكل ما يقدم من الدواء لحد الآن ليس ناجعا ومؤملا بالشفاء.

وما يحدث اليوم أننا كصحفيين نعزل أنفسنا في فقاعات أيديولوجية وحكومية وتجارية ونتعرض فقط لآراء الذين لديهم طريقة تفكيرنا نفسها؛ فعندما يدير الصحفي ظهره للأفكار المبتكرة، والخضوع لسيطرة الشركات والحكومات، فإنه سيجعل من الصحافة مقبرة لنفسه، مثلما يسهم في إبقاء مهنته راقدة في السوق المريضة.

لذلك بإمكان الصحفي إعادة اختراع مهنته وليس التخلي عنها، كما يحدث لنسبة كبيرة من الصحفيين الذين افتقدوا إلى الثقة بالمستقبل.



إذن كيف نبقي الصحافة الحل الأمثل لربط المجتمع بالأفكار الحرة والمعلومات؟

بمجرد النظر لنموذج الأعمال الصحفية اليوم، نكتشف كمجتمعات بيسر ما فقدناه لمعرفة حقيقة ما يجري في العالم. نكتشف الخلاف السام المتصاعد، عدم الاتفاق على مفهوم الحقيقة، لنعيد إطلاق السؤال على أنفسنا: هل نحن في أفضل حال من دون صحافة مسؤولة وقادرة على ربط المجتمع بديمقراطية حرة؟

التجارب التاريخية علّمتنا أن مشاركة المجتمع في تحمل المسؤولية العامة تتراجع بغياب الصحافة، الناس أنفسهم يصبحون أقل إحساسا بوحدتهم الجماعية وأكثر تحزبا وطائفية وقبلية من دون صحافة فعلية بين أيديهم، ويصبح هذا الأمر أكثر خطورة على الدول الديمقراطية التي تخضع للمحاسبة الصحافية بلا انحياز وخضوع.

أو بتعبير ماري بيث إيرنهيردت التي تُدَرّس الصحافة بجامعة يونغزتاون في ولاية أوهايو، أن المجتمع دون صحيفة مركزية قوية سيكون مفتقدا للقيادة وإلى جزء كبير من هويته.

تبدو مشغولا بالدفاع عن مفهوم الصحافة نفسها، هل تحتاج الصحافة إلى مفهوم جديد يتناسب مع "جيل الويكيبيديا" كما ذكرت في كتابك؟

قبل ذلك تحتاج الصحافة الإخلاص لجوهرها، بعد أن جعلها جيل الويكيبيديا تجد نفسها قد تجاوزت "احتكار القلّة"حسب بيان الإنترنت الذي أصدرته نخبة من الصحفيين في ألمانيا عام 2009 بعد نقاش حيوي حول مستقبل الصحافة المكتوبة على الإنترنت.

فالويب يبعثر نظام وسائل الإعلام الموجودة عبر تجاوز تخومها القديمة، النّشر وانتشار المضامين الإعلامية لم تعد مرتبطة قطعا بالاستثمارات الضّخمة، والوعي بالذّات الصحفية هو الآن في طور الشّفاء من وظيفته كحارس بوابة، فكل ما يتبقّى هي الجودة الصحفية التي تتميز بها الصحافة عن عملية نشر عادية.

لذلك أرى أن الخيار هو إعادة صناعة الصحافة وليس استبدالها، فليس بمقدور العالم التخلي عن الصحافة بوصفها الرقيب المثالي على الديمقراطية ومنع فساد الحكومات وهدر الأموال.

تقول في الكتاب إن "القارئ تغير"، كيف بوسع الصحافة أن تتأقلم وتقوم بدورها وسط مزاحمة وسائل التواصل وانتشار الأخبار الزائفة؟

مبدئيا يمكن الإقرار بفوز المنصات الإلكترونية، دون الجزم النهائي بهزيمة الصحافة، الإنترنت ربحت لكن وحدهم القراء الباحثون عن المحتوى المتميز من دفع الثمن..

الهراء والضحالة واللغة المكررة وانعدام الأفكار تستحوذ على القصص الصحفية على الإنترنت مستهينة بوعي القارئ، بينما تتراكم الأسئلة أمام الصحافة المخلصة لجوهرها، عن المحتوى المتميز وهي تعيش أزمتها الوجودية.

لذلك يجب ألا يكتفي الصحفي بالتعويل على القراء التاريخيين الأوفياء، لأنهم يمثلون الجيل ما قبل الرقمي وهم لا يتكاثرون وفق البديهية الطبيعية للتكاثر، فهناك جيل يحسب على القراء لكنهم ليسوا أحفادا للجيل السابق من أولئك الأوفياء الذين مازلنا نرى بعضهم يتمسكون بقراءة الصحف مع قهوة الصباح.

الصحفي مطالب اليوم بصناعة جيله من القراء المتواجدين في منصاتهم الشخصية أو عبر هواتفهم الذكية، وجعلهم أوفياء وشغوفين بانتظار المحتوى المتميز وصناعة الأفكار التي يصنعها.

تقول إنك "مؤمن بأن الصحافة لن تموت"، هل مازالت هناك فرصة لحماية الصحافة المكتوبة تحديدا من الاندثار؟

الاندثار في سؤالك تعبير أكثر من متشائم، لأن الصحافة ستبقى بغض النظر عن نوعية تقديمها للمستهلك، رقمية كانت أم ورقية، ولو أراد المجتمع إنقاذ الصحافة بوصفها المعبر المخلص عنه لضغط على الحكومات لمنع كسرها، وذلك يتم عبر عدم ذهاب الأموال إلى المشاريع التجارية الفاشلة في الإعلام، بل إلى مصادر إخبارية تؤمن بجوهر الصحافة كخدمة عامة تقدم للمجتمع والحكومات في وقت واحد.

لقد أصبح من الواضح يوما بعد آخر أن الصحف لا تستطيع الاستمرار تحت وطأة الأزمة الاقتصادية، فتوقف إصدار الغالبية العظمى منها، وأعلنت صحف كثيرة عن إفلاسها في أكثر بلدان العالم ديمقراطية التي تفضل دولة دون حكومة على دولة دون صحافة "فكيف الحال بدولنا العربية؟"، وما يحدث اليوم أمر غير مسبوق في تاريخ وسائل الإعلام.

لكن قبل ذلك علينا كصحفيين ألا نعول على الحكومات بوصفها منقذا وأبا رحوما لصحافة مخلصة لجوهرها، فإذا كانت المصارف ليست أطباء اقتصاد العالم، فإن الحكومات لا تريد إخراج الصحافة من السوق المريضة، لأن لديها معركة ثأرية وتاريخية لكسر الصحافة وإخضاعها، كما أن على الصحفيين وهم يقدمون خدمة عامة للمجتمع الإقرار بأنهم غير قادرين وحدهم على إنقاذ الصحافة من أزمتها الوجودية.

واقع الحال، أن العالم الغربي مشغول بشكل لا سابق له بشأن مصير الصحافة، وهناك كلام كثير وآراء ومقترحات وضغوط على السلطات، بينما لا يظهر أي اهتمام جدي في العالم العربي بمصير الصحافة.

كتابك الجديد يستشرف مستقبل الصحافة في زمن الرقمي وما بعده، أي مصير تتوقعه للصحافة؟

دعيني أستعين هنا بمجلة "برايفت – آي" البريطانية الساخرة، وهي تصدر في بلد يعد من بين أكثر بلدان العالم التي تضررت فيها الصحافة المطبوعة، مازالت هذه المجلة تحقق نجاحا مطردا بزيادة التوزيع مع أنها لا توجد لها طبعة إلكترونية.

ودائما ما كان يذكر رئيس تحريرها إيان هيسلوب بجملته الشهيرة التي قالها قبل سنوات بعد رفضه الإصدار الرقمي للمجلة الناجحة بالقول “الناس تعب بصرها من النظر إلى المواقع، هل تريدون مني المساهمة في إفساد بصر الشعب كما أفسدتم بصيرته!”.

مجلة "برايفت – آي" البريطانية ليست مثالا نادرا لتفنيد وجهة النظر المتطرفة بموت الصحافة. الصحيفة البريطانية "فايننشيال تايمز" وصحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية مازالتا مليونيتي التوزيع. لسوء الحظ ليس لدي مثال لصحيفة عربية لذكره هنا.

الأموال وقود لاستمرار المضي في الطريق، لكن مشكلة الصحافة اليوم ليست بالاستمرار وحده، بل بالمحطات التي تمر بها في العصر الرقمي فأيّ من الركاب مازال يرغب في السفر بهذه الوسيلة الورقية، بينما جهازه الصاروخي يمتلك من البدائل ما يفوق التوقع يوما بعد آخر؟

إذا توفر المال كطاقة داعمة، ماذا عن الصحفي كمنتج؟ هل بات بمقدوره أن يقدم محتوى مغريا يعيد القراء إلى صحيفته؟ تلك مشكلة الصحافة مع المستقبل.

مع ذلك أرى أن الصحافة مازالت جديرة بالاهتمام في مجتمع حر، لأنها فعلت الكثير من أجل هذا المجتمع ومازالت قادرة على فعل المزيد في عصر وسائل التواصل، لأنها قادرة على منحنا الاطمئنان الواضح في معرفة ما يجري حولنا بمفردات إنسانية مشتركة، لا تضمنه وسائل التواصل الاجتماعي مهما فعلت سواء بخضوعها للقوانين العامة أو بتكيف محتواها مع المعايير الأخلاقية المطلوبة، لأنها بحساسية ومسؤولية أضعف من أن ترقى إلى ما تؤمن به الصحافة.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة ©️ 2024 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC