ما حقيقة وجود ابنة لـ “نابليون” في مصر؟

ما حقيقة وجود ابنة لـ “نابليون” في مصر؟

تظل السنوات الثلاث التي قضتها الحملة الفرنسية على مصر والشام في الفترة من 1799 إلى 1801، بقيادة القائد الفرنسي نابليون بونابرت، سنوات قلق تاريخي وعذاب إبداعي لعدد من الكتاب والروائيين المصريين والعرب، إلى جانب جيش من الباحثين الذين بحثوا ونقبوا في كل ما كتب عن تلك الفترة.

وكانت حوليات المؤرخ المصري عبدالرحمن الجبرتي، أبرز ما كتب عن تلك الفترة، إلى جانب المؤرخ الشامي نيقولا الترك، ومذكرات ضباط وجنود الحملة الفرنسية، الذين دونوا كلّ ما وقعت عليه أبصارهم في مصر والشام، وموسوعة وصف مصر لعلماء الحملة، الذين اصطحبهم نابليون ليجعل من الشرق العربي قاعدة فرنسية وإمبراطورية تقضي على غريمتها الأبدية إنجلترا.

فلا تكاد تمر أشهر قليلة، وتصدر رواية عربية جديدة، تدلو بدلوها الإبداعي في تلك السنوات الثلاث، الفارقة في العلاقة بين الشرق العثماني والغرب الأوروبي.

آخر زاوية لرؤية الحملة الفرنسية، هي “ابنة نابليون المصرية”، للكاتب اللبناني الكبير شربل داغر، التي صدرت مؤخرًا عن المركز الثقافي العربي ببيروت، وتناول فيها نهاية تواجد الحملة الفرنسية، وخروجها من مصر والشام، يرافقها عدد من المصريين والبحّارة والأمراء والجنود والخدم.

وتدور أحداث الرواية بين عامي 1811 و1825، وتتخذ فضاءً لها في القاهرة، بعد أن ودعت جنود نابليون وقائدهم الأخير مينو، وباريس، والإسكندرية وعكا، ومرسيليا، فضلًا عن شواطئ صقلية وتونس والجزائر وبيروت وغيرها.

وبخدعة روائية، ينهي شربل داغر باعتراف أخير، يخبر فيه قارئه أن ما يقع تحت نظره لم يكتب، وإنّما ترجم وحسب ما عثر عليه – بالمصادفة – تحت الأرضية الخشبية للغرفة 213 في “فندق القديس بطرس وروما”، في مرسيليا.

فقد تكون الدفاتر التي عثر عليها في تلك الغرفة، تعود إلى نور المنصوري المصرية، التي عاشت في الفندق نفسه، أو أديب فرنسي مغمور، هو جوزيف ميري، مع ملاحظة أن أيّ تشابه بين الوقائع المدرجة في العمل وبين غيرها مما ورد في كتب معروفة أو منسية، أو بين أسماء أشخاص أو أمكنة أو شوارع مثبتة في الخرائط أو فوق الألسنة، ليس شبهًا، ولم يَرِد بمحض المصادفة، عدا أنه قام بنفسه بالتأكد من بعض وقائعها، وربما بصياغتها من جديد.

وقال الدكتور عاصم الدسوقي، أستاذ التاريخ الحديث بكلية الآداب جامعة حلوان، في حوار مع “إرم نيوز”، إن هناك خصومة بين التاريخ والأدب، مضيفًا “الكاتب في روايته التي يتناول من خلال أحداثها شخصيات تاريخية أو واقعة محددة حدثت منذ سنوات بعيدة وفي عصر مغاير، يستخدم التاريخ كرمز لما يريد أن يقوله على عصره، دون إفصاح صريح”.

وتابع “فمن وجهة نظري أن الرواية التاريخية تحدث نوعًا من الارتباك الذهني للقارئ، ولا يجب أن نأخذ التاريخ أو الوقائع الخاصة بسير الشخصيات التاريخية من رواية، فالأخيرة غطاء لأفكار الكاتب وحده، وهو المسؤول عنها”.

وأردف الدسوقي “رواية ابنة نابليون المصرية للكاتب اللبناني شربل داغر تندرج في هذا السياق، فلا وجود لابنة مصرية للقائد الفرنسي نابليون، حيث مكث أشهرا قليلة في القاهرة، ثم اتجه بحملته إلى الشام، وأمضى شهورًا أمام أسوار عكا المنيعة، لذلك أجد خصومة بين الوقائع والوثائق والمكاتبات التي تناولت فترة تواجد نابليون في مصر، وبين ما يكتب عنه على شكل روايات وأدب”.

وأضاف “في حين هناك شخصيات تاريخية موثقة ومعروفة، لم يتم الحديث عنها باستفاضة في تلك الروايات التاريخية، مثل شخصية المعلم يعقوب حنا أو السيدة زبيدة زوجة الجنرال مينو، القائد الأخير للحملة، والذي هجرها وحيدة في أحد فنادق مرسيليا، ليتسلى بالنساء، وهناك من الوثائق ما يثبت أنها ماتت وحيدة مهجورة في بلد غريب”.

وأكمل “أيضًا هناك شخصية خادم نابليون نفسه المملوك رستم، الذي رافقه حتى منفاه في جزيرة سانت هيلانة”.

وأوضح عاصم “رواية ابنة نابليون المصرية هي إشارة رمزية للتأثر بالثقافة الفرنسية والهزة الحضارية التي أحدثتها الحملة الفرنسية في تلك الفترة من حكم العثمانيين الراكد على العالم العربي، حيث قامت الحملة بتأسيس المجمع العلمي الذي تحدث عنه المؤرخ المصري الجبرتي، باستفاضة في حولياته عن الحملة، وهو ما جعل المصريين يطلون على ثقافة غير معروفة لديهم، واعتبروها بوصف الجبرتي عالما من الأعاجيب، وما غير ذلك لا يوجد له سند تاريخي، فالذين خرجوا مع جيش الحملة الفرنسية عدد لا يذكر، ولا يمكن اعتباره قوى عربية حقيقية”.