“ذئب ونفرش طريقه بالفخاخ”.. أول موسوعة لشعراء قصيدة “النثر” المصريين

“ذئب ونفرش طريقه بالفخاخ”.. أول موسوعة لشعراء قصيدة “النثر” المصريين

يبدو أن السجال النقدي حول قصيدة النثر، والذي بدأ بمقال للشاعر الكبير “أدونيس” عام 1960، في مجلة “شعر” بعددها الرابع عشر، لم ينته بعد، والاعتراف بها ليس نهائيًا من قبل الشعراء العرب أصحاب القصائد العمودية المنضبطة وزنًا وقافية وبحرا شعريا، فمنذ الستينيات شُنّت على قصيدة النثر حملات نقدية ضارية، مصحوبة بجمل الاتهام والتخوين والتجريح، تدار كل فترة حتى الآن.

آخر المدافعين عن قصيدة النثر، واقفًا على الجانب الآخر من المعركة، الشاعر والروائي المصري المقيم في بلجيكا منذ سنوات “عماد فؤاد”، المولود عام 1974، والذي أنتج خمس مجموعات شعرية صدرت بين القاهرة وبيروت في الفترة من 1998 حتى 2010، آخرها “عشر طرق للتنكيل بجثّة”، عن دار الآداب، إضافة إلى أول أنطولوجيا للنص الشعري المصري الجديد بعنوان «رعاة ظلال…. حارسو عزلة أيضًا» عام 2007 وطبعت بالجزائر.

unnamed

وعلى مدى تسع سنوات متواصلة من الجهد، استطاع عماد فؤاد أن يوثق لثلاثة وخمسين شاعرًا وشاعرة لقصيدة النثر، ينتمون لثلاثة أجيال زمنية، هي: “السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات”، من خلال أول أنطولوجيا موسوعية شاملة لقصيدة النثر المصرية، والأضخم من نوعها تصدر حتى اليوم، عن “المكتب المصري للمطبوعات والنشر” بالقاهرة، بالتعاون مع دار نشر وليدة، مقرها بلجيكا، اسمها “منشورات الوردة”، مذيّلة بدراسة طويلة ومعمّقة للشاعر المصري الكبير “رفعت سلام”، وتحمل عنوانًا مثيرًا للتساؤل “ذئب ونفرش طريقه بالفخاخ”، في محاولة لردّ الاعتبار لهذا النوع الشعري الذي أصبح وعبر سنوات ليست قليلة، تيارًا شعريًا يضمّ خصائص وسمات يجب التوقف عندها، ودراستها وتحليلها.

ولم تكتف الأنطولوجيا برصد نصوص وقصائد الشعراء والشاعرات المختارين فيها فقط، بل حرصت كذلك على أن يكون لكل شاعر من الشعراء المشاركين ملف كامل، يضم عددًا من قصائده الأبرز، ويليه قراءة في أحد أعماله، أو حوار معه، أو شهادة له، ويختتم بصفحة تعريفية بكل شاعر، تضم نبذة عنه وعن إصداراته الشعرية أو إسهاماته في مجال الترجمة، إن كان من المشتغلين بها، وهو ما يعني أن الأنطولوجيا – إلى جوار القصائد والنصوص – تضم العديد من المقالات والقراءات النقدية والحوارات والشهادات التي كتبت عن -أو كتبها الشعراء- المختارين في الأنطولوجيا، سعيًا إلى إلقاء الضوء على تجاربهم الإبداعية، واستكشافًا لرحلة تطورهم الشعري.

وعلى الرغم من أن قصيدة النثر العربية، لم تعد تحتاج إلى من يدافع عنها، فهي باتت منذ قرابة خمس وأربعين سنة على نشوئها، قادرة تمام القدرة على هذا الدفاع، لاسيما بعدما بسطت جناحيها على الشعر الجديد والراهن، وفرضت نفسها بجمالياتها الخاصة وشعريتها الفريدة.

إلا أن تلك الموسوعة الجديدة للشاعر المصري عماد فؤاد، تحمل معاني جديدة ورؤى مغايرة بداية من عنوانها الغريب والمختلف، فإذا كانت قصيدة النثر بحسب “سوزان برنار”  فسحة «للتوتر الشعري» فهي أيضًا مغامرة سافرة في اكتشاف منابع اللغة والاحتكاك بالمجهول، وابتداع المفاجآت الساحرة، لغة وصورا وعلاقات.

فهي عند الشاعر عماد فؤاد، ومن خلال مقدمته لموسوعته التي تتجاوز صفحاتها السبعمائة: “لنصطاد الشِّعر، حيًّا وعفيًّا كما تخيّلناه في أحلامنا، فرشنا طريقه بالفخاخ، وصبرنا على قدومه في غبش الليل، مِنّا من فاز منه بشيء، ومِنّا من مسّ أطرافه قبل أن يفرّ، ومِنّا مَنْ خسر، فالفريسة ليست كالفرائس الآخر، الفريسة هي الشِّعر، الشِّعر وليست القصيدة، آمنّا بأن الشِّعر هو ما يصنع القصيدة وليس العكس، وأن القصيدة التي تُكتب وفق وصفات معيّنة تولد ميّتة، وذئب الشِّعر يعفّ عن الجثث.. حتى ولو كان جائعًا، ونحن صيّادو شِعر، لا جامعو جثث”.

ويستطرد فؤاد، مفسرًا الأمر على هذا النحو: “الشِّعر لا يمنح صكوكه لأحد، لأنه ليس حكرًا على أحد. الشِّعر حرّ، وحرّ هو الشِّعر، له أن يأمر فيطاع، ومن يطيعه سوى أبنائه المخلصين؟ هؤلاء الذين يحفرون بأظافرهم العارية في أرضه، كلٌّ في بقعته، كلٌّ في وجعه الخاص، كلٌّ في عالمه، كلٌّ منهم يؤمن في قرارة نفسه بأنّ غايته ليست الكنوز المخبّأة في التربة، بل الاستمرار في الحفر، الحفر عميقًا، حتى ولو نزفت الأظافر، حتى ولو بُترت الأصابع، فسوف يستمرون – رغم ذلك – في الحفر”.

ويدين الشاعر الكبير رفعت سلام، في دراسته لموسوعة “ذئب ونفرش طريقه بالفخاخ”، الإقصاء المتعمد لقصيدة النثر من قبل المحافظين والمتقاعدين، المحتلّين للمناصب الثقافية المختلفة، ففي مواجهة هذا الإقصاء “الحكومي، المؤسسي”، لم يكن من الممكن أن يزدوج الإقصاء على يد بعض من أصحاب القصيدة “الملعونة”، فيُقصَى البعض مرّتين، مرّةً على يد رجال المؤسسة الحكومية، وأخرى على يد زملائه من كتاب القصيدة المطاردة نفسها، لذلك فهو يرى أن المتن الشعري لهذه الأنطولوجيا متوافقٌ مع الغاية التي تستهدفها أية أنطولوجيا موضوعية وجادة.

ويضيف: “التمثيل الحصري لكل الاتجاهات والتيارات الإبداعية، من خلال الشعراء المختارين”، وهي الغاية الأجدر بالاعتبار في هذه اللحظة من تاريخ قصيدة النثر المصرية.