شكري وأبو همام والبحيري.. حينما يُولد الإبداع من رحم الألم – إرم نيوز‬‎

شكري وأبو همام والبحيري.. حينما يُولد الإبداع من رحم الألم

شكري وأبو همام والبحيري.. حينما يُولد الإبداع من رحم الألم

المصدر: نعمة عز الدين - إرم نيوز

حياتنا، تبدأ بالسعي على الرزق، والدعاء للخلف بطول العمر والتوفيق في الحياة، حتى حينما يصيبنا المرض لانكترث كثيراً في محاورته أو صداقته، بل نستسلم دون مقاومة تذكر، مفسرين الأمر بداخلنا بمشيئة الخالق وقضائه، وكل مايهمنا نحن البشر العاديين الساعين في فضاء الله، أن نحيا فقط غافلين عن كتابة تجاربنا في دفاتر التدوين الإنسانية، أما المبدعون من روائيين وكتاب وشعراء فلهم مع المرض والألم شأن آخر، حيث تتحول محنهم إلى روايات وأشعار خالدة توثق وتحلل هذا الغريب الذي يتسلل إلى نفوسهم وأجسادهم.

البداية مع الكاتب المغربي الشهير محمد شكري، الذي رحل العام 2003 تحت وطأة السرطان، المرض الذي فتك من قبل بكثير من الكتاب، من بينهم صديقه الكاتب الفرنسي ”جان جينيه“ الذي عرفه شكري واقترب من عالمه، وكتب عنه مذكرات مهمة بعنوان ”جان جينيه في طنجة“.

الرحيل بمرض السرطان، لم يكن المحطة الأولى في عالم محمد شكري الإبداعي، المليء بتفاصيل الفقر والتهميش والشعور بالجوع بمعناه الحرفي، حينما قدم إلى مدينة ”طنجة“ المغربية، من الريف المغربي مع عائلته، لا يحمل إلا لغته البربرية ولا يعرف العربية أو حتى المغربية الدارجة.

ففي العام 1977 كان شكري نزيلاً بمستشفى الأمراض العقلية في مدينة تطوان، ومن هناك تبادل عدة رسائل مع الناقد المغربي الكبير محمد برادة، من أهمها رسالة مشحونة بالاعتراف والألم، يقول فيها مقاوماً حالته النفسية المتدهورة: ”الإحساس بالكتابة بدأ يغزوني في هذا المروستان، عندما أخرج من هنا سأحاول أن أغير حياتي“.

وألف محمد شكري عدة كتب تسرد تجربته الإنسانية، المليئة بالحرمان والمرض، منها الروايات والسير الذاتية، مثل ”الخيمة“ و ”بول بوولز“ و“عزلة طنجة“ و“ زمن الأخطاء“ و“الشطار“، وتعد روايته ”الخبز الحافي“، باب شهرته العالمية حيث كانت جلسة اعتراف طويلة للكاتب مع الحرمان والألم.

أما الشاعر الكبير عبد اللطيف عبد الحليم، الشهير ”بأبو همام“، أحد تلامذة عباس العقاد، النجباء، تمتع بلغة عربية ثقيلة، إذ قضى فترة طويلة من حياته، يمعن النظر في المعاجم والدواوين الشعرية وفي النثر القديم، ويردد دوماً في حواراته الصحفية: ”أنا مهتم بالشعر أكثر من الوجوه الأخرى التي أمارسها، ولا أريد إلا أن أحشر مع الشعراء يوم يبعثون، فأعيش شاعرًا وأموت شاعرًا ودواويني الستة، التي تتكون منها الأعمال الكاملة، الجزء الأول والثاني يمثلان مرحلة الصبا، والدواوين الأخرى تمثل تجارب في الحياة والحب والموت والوطنيات ثم مرحلة التأملات.

وما أن هاجم المرض عبداللطيف عبدالحليم، وأصيب بداء الكبد، أصبح لمعجم الموت حضوره اللافت عنده كما يقول عنه الناقد الكبير ”محمد عبد المطلب“: (الرثاء الموت الانتحار الرحيل الختام اللحد المنون القبر) بل يبدو أنه عقد صداقة مع الموت في مرضه المتواصل, وله في هذا السياق قصيدة بعنوان: (مثاني العناية المركّزة) يقول فيها:

غازلني الموت وغازلته

والوجه منا عابس باسر

هل لك فى الراحة يا صاحبي

إن كلينا هابط عاثر

وتعد الكاتبة الرقيقة نعمات البحيري، والتي رحلت بعد صراعها الشبة يومي مع وحش السرطان، العام 2008، أحد الأطياف الإنسانية التي تأتي للدنيا وترحل عنها سريعاً مخلفة وراءها تدوينات عذاباتها وآلمها روايات تقطر شجن وصفاء نفسي نادر، فحولت المرض لتجربة جديدة للأبداع.

كانت تحكى عن وحدتها فى الفراش الأبيض وهى تتلقى العلاج الكيميائي ثم الأشعاعي، لكن نفسها حدثتها بأنها عاشت وخبرت حلاوة الحياة من خلال الحب والإبداع، بينما غيرها من المرضى لم تسمح لهم ظروفهم حتى بمثل هذه الأفراح الصغيرة، وكان كتابها الرائع ”يوميات امرأة مشعة“، الذي وصفت فيه كل مراحل المرض والعلاج وردود أفعال الأهل والأصدقاء بشكل إبداعي نادر، حتى آخر مرحلة في المرض.

قال عنها الروائي سيد الوكيل: إنها كاتبة لديها روح نضالية صلبة، تكتب بين أروقة المستشفيات وتحت مشارط الجراحين، لتجعل من سيرتها الذاتية أفقًا للسرد.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com