في ذكرى ابن رشد.. إضاءات على أبرز محطات فلسفته الإنسانية – إرم نيوز‬‎

في ذكرى ابن رشد.. إضاءات على أبرز محطات فلسفته الإنسانية

في ذكرى ابن رشد.. إضاءات على أبرز محطات فلسفته الإنسانية

المصدر: مهند الحميدي – إرم نيوز

يُعدُّ ابن رشد الذي يصادف، اليوم الخميس، الذكرى الـ890 لميلاده؛ أحد أبرز فلاسفة التنوير في التاريخ البشري، ولطالما نال قسطاً وافراً من التبجيل في العالم الغربي، كونه أحد أهم الجسور لعبور الفلسفة العربيَّة الإسلاميَّة إلى أوروبَّا.

كما أسهم ابن رشد في نقل التراث الإغريقي، والشرقي عموماً، إلى العالم الغربي، بعد قرونٍ من الانقطاع.

واشتُهِر في أوروبّا، تيَّارٌ فلسفيٌّ؛ عُرِف باسم ”الرشديَّة اللاتينيَّة“ أسَّسه طلبة علم غربيُّون، تتلمذوا على شروحات ابن رشد وفلسفته، في المراكز العلميَّة؛ سواء في الأندلس، أم في بلاد جنوب أوروبَّا، التي كانت على تماس مباشر مع الحضارة العربيَّة الإسلاميَّة.

وتستند الحركة ”الرشديَّة اللاتينيَّة“ في الغرب إلى المزج بين العقل والنقل، كما أسهمت شروحات ابن رشد، الذي لُقِّب ”بالشارح“ لفلسفة أرسطو، في تعميق عقلانيَّة الفلسفة الأرسطيَّة.

وبلغ الأمر بشاعر النهضة الأوروبيَّة؛ الإيطالي دانتي، في كتابه ”الكوميديا الإلهيَّة“ أن أنزل ابن رشد في مقامٍ بين الجنَّة والنار (الليمبو) بعيداً عن عذابات الجحيم، إلى جانب ابن سينا، وفلاسفة الإغريق الوثنيِّين، على الرغم من كونهم ليسوا مسيحيِّين، تقديراً لمكانتهم ورفعة شأنهم.

وأثَّرت فلسفة ابن رشد في فكر الفلاسفة الأوروبيِّين؛ وعلى رأسهم الفرنسي سيغرد روبرابانت، والهولندي سبينوزا، والألماني لايبتنز، كما أُطلِق اسمه على العديد من مراكز الدراسات، والمهرجانات، والجوائز العلمية والثقافية في أوروبا.

تصدِّي ابن رشد للجمود الفكري

لعلَّ أبرز المحطَّات في فلسفة ابن رشد، في تصدِّيه للجمود الفكري الذي بدأت ملامحه تظهر في العالم الإسلامي، كانت تأليفه لكتاب ”تهافت التهافت“ ردَّاً على كتاب أبي حامد الغزالي، المعروف باسم ”تهافت الفلاسفة“.

وكان الغزالي شنَّ هجوماً عنيفاً في كتابه، على الفكر الفلسفي، وأهل المنطق، متَّهماً إيَّاهم بالخروج على مبادئ الدين الحنيف.

في حين انتصر ابن رشد في ”تهافت التهافت“ للفلاسفة، معتبراً إيَّاهم قادة رأيٍ، وأصحاب اجتهادٍ يُحمدون عليه؛ إذا أصابوا فإنَّهم يُثابون، وإذا أخطؤوا فهم معذورون.

كما أفرد ابن رشد كتاباً آخر في الردِّ على فتاوى الغزالي، أطلق عليه اسم ”فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتِّصال“ تطرَّق فيه إلى حكم الشريعة الإسلاميَّة في تعلُّم الفلسفة والمنطق، وعدم تعارضهما مع مبادئ وأساسيَّات الدين.

دور العقل في فهم مقاصد الشريعة

وأكَّد ابن رشد دور الفلسفة في التعرُّف إلى الخالق، فهي من أهمِّ السبل للتعرُّف إلى الذات الإلهيَّة، عبر التأمُّل والنظر في مخلوقاته، فمعرفة الخَلق هي الطريق للوصول إلى الخالق، والتأمل في الموجودات يوصِل إلى الإيمان بالله، وذلك من أبرز أهداف دراسة الفلسفة والمنطق والحكمة لدى ابن رشد.

ودلَّل ابن رشد على وجهة نظره بالاستشهاد بآيات الذكر الحكيم، الآمرة بالتأمُّل؛ ومنها قوله تعالى ((أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ)). (سورة الأعراف- 185)

إنَّ أهم أهداف آراء ابن رشد، البرهان على أنَّ الفلسفة لا تتعارض مع الشريعة، وأنَّ العقل لا يتنافى مع الدين، فالتفكير المنطقي هو السبيل لفهم مقاصد الشريعة، و“العقل هو الأداة لتأويل آيات القرآن“.

 ويقول ابن رشد ”الحق لا يضاد الحق، بل يوافقه ويشهد له، وأن الحكمة هي صاحبة الشريعة، والأرض الرضيعة، وهما المصطحبتان بالطبع، المتحابَّتان بالجوهر والغريزة“.

الفكر الإنساني في فلسفته

يؤكِّد ابن رشد في فلسفته أنَّ الحقيقة تخصُّ الإنسانيَّة عموماً، وهي ليست حكراً على قومٍ بعينهم، داعياً إلى الانفتاح على الشعوب الأخرى، ومؤكِّداً ضرورة تلاقح الثقافة بين الأمم.

والجدير بالذكر أنَّ ابن رشد عانى ما عاناه في أواخر أيَّامه، من تهجم المتعصِّبين عليه وعلى آرائه، إذ حكموا عليه بالنفي، وعمدوا إلى إحراق مؤلَّفاته، لتكون نهاية حياته إيذاناً لقرونٍ من الانحطاط في الحضارة العربية والإسلاميَّة، ما زلنا نعيش تبعاتها حتى يومنا الحاضر.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com