مظاهر التجديد في أدب أمريكا اللاتينيَّة

مظاهر التجديد في أدب أمريكا اللاتينيَّة

المصدر: مهند الحميدي – إرم نيوز

أغنى كُتَّاب أمريكا اللاتينيَّة التراث الأدبي الإنساني؛ بتفرُّد نتاجهم وخصوصيَّته، ودعواتهم للتجديد والخروج عن الأسس الكلاسيكيَّة للرواية.

ولعلَّ أبرز مظاهر التجديد في أدب أمريكا اللاتينيَّة يتجلَّى في ابتكار نزعة ”الواقعيَّة العجائبيَّة“ المستندة إلى سردٍ واقعيٍّ للأحداث، ليُفاجأ القارئ بتفاصيل غير منطقيَّة ضمن ذلك المسار الواقعي.

وأكثر من برزت لديه تلك الظاهرة؛ هو الكاتب الراحل، غابرييل غارسيا ماركيز؛ إذ يظهر التداخل بين المستوى الواقعي المتوقَّع لأحداث رواياته، وبين المستوى العجائبي غير المتوقَّع، والبعيد عن المنطق في غالبيَّة أعماله.

ومثال ذلك طيران إحدى بطلاته ”ريميديوس الجميلة“ بملاءة سريرها وسط الغيوم بلا عودة، في رائعته الحائزة على نوبل للآداب ”مئة عام من العزلة“.

كما خرج أدب أمريكا اللاتينيَّة عن القواعد الجماليَّة الكلاسيكيَّة للرواية الواقعيَّة التقليديَّة، مبتعدين عن التكلُّف اللغوي والاهتمام بالشكل والصياغة، في محاكاة مرنة هي أقرب للهزل؛ ما أثرى أدب أميركا اللاتينيَّة ومنحه طاقات متجدِّدة.

ومال بعض كُتَّاب أمريكا اللاتينيَّة كالروائي خورخي لويس بورخيس، إلى الدمج المتقن بين الأجناس الأدبيَّة، ليجمع العمل الفنِّي الواحد أجناساً أدبيَّة عدَّة، ويصبح من الصعب نسب الكتاب إلى جنسٍ أدبيٍّ بعينه، لنقف أمام أرخبيل أدبي ثري الدلالات، ويتجلَّى ذلك في كتاب بورخيس ”الخالق“ الذي جمع بسلاسةٍ بين القصيدة والمقالة والقصَّة.

كما جدَّد كُتَّابها في السَّرد الروائي، وخرجوا عن قواعد السَّرد المتسلسل المنطقي التصاعدي للأحداث، فباتت أعمالهم متقطِّعةً بعيدةً عن الترتيب؛ ما منح أعمالهم المزيد من الحيويَّة والتشويق والابتعاد عن الرتابة المصاحبة عادةً للأعمال الكلاسيكيَّة المتسلسلة الأحداث، لينتقل القارِئ بين أساليب متنوعة في الرواية الواحدة، قافزاً بين الفصول، وخير مثال على ذلك؛ أسلوب الروائي الأرجنتيني المتميِّز، خوليو كورتاثر، في روايته ”الحجلة“.

واستخدم الكثير من الروائيِّين الخواتيم المفتوحة لرواياتهم، في تمرُّدٍ واضحٍ على أساسيَّات الرواية التقليديَّة، التي تتمحور خواتيمها حول تقديم إجابات لجميع الأسئلة المطروحة في الرواية؛ إذ تمنح رواياتهم القارئ مساحة من التدخُّل وتقديم الإجابات بعد تحريض الأسئلة لديهم؛ ما يُطلق عليه الروائي الإيطالي، أمبرتو إيكو، مصطلح ”النصِّ المفتوح“.

ورفض أدب أمريكا اللاتينيَّة تبجيل أعلام الأدب الأوائل، وطالبوا بمقاطعة رواد الآداب العالمية، إذ دعا الروائي المكسيكي، أوكتافيو باز، إلى ”تراث القطيعة“ في جدليَّة لا تنفي الإبداع عن المراجع الكلاسيكيَّة للأدب، بل تحاول تجاوزها، مع الإفادة منها، كما ظهر في الخمسينيّات من القرن الماضي تيار جديد عُرِف بتيار ”قتلة الآباء“.

ومن الجدير بالذكر، أنّ كُتَّاب أمريكا اللاتينيَّة منحوا سيرورة الضمائر الكثير من اهتمامهم، إذ جدَّدوا في أسلوب الخطاب التقليدي، المعتمد على أحاديَّة الروائي العليم بكلِّ شيء، ليخاطبوا قرَّاءهم عبر رواة متعدِّدين بمعارف محدودة، كما برز لديهم الراوي بضمير المخاطب أو المتكلم.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة