”امرأة من طابقَين“ تبحث عن السكينة في وسط ثقافي فاسد

”امرأة من طابقَين“ تبحث عن السكينة في وسط ثقافي فاسد

المصدر: مهند الحميدي – إرم نيوز

تقدِّم الكاتبة السوريَّة، د.هيفاء بيطار، في روايتها ”امرأة من طابقَين“ تحليلاً عميقاً للعلاقات الإنسانيَّة، عبر تسليط الضوء على معاناة كاتبةٍ شابَّةٍ طموحةٍ، تبحث عن فرصةٍ لنشر أعمالها الإبداعيَّة في وسطٍ ثقافيٍّ فاسد.

والرواية عبارةٌ عن نقدٍ لاذعٍ لمجتمعٍ غلبت فيه الماديَّة، وباتت الفُرص أمام الشباب معدومة، وسط دخول المحسوبيَّات في أدق تفاصيل طموحاتهم؛ وبشكلٍ خاصٍ المُبدعين منهم، لتفضح الكاتبة الفساد الأخلاقي في الأوساط الثقافيَّة العربيَّة.

واتَّخذت بيطار من الرواية منصَّة بثَّت من خلالها فلسفتها في الحياة؛ تقول الكاتبة ”الكلمة لغز الحياة، الكلمة أوضح وأبقى من كلِّ العوالم، عالم لا يزول، الكلمة تُحيي، الكلمة تُحيي“. (47)

وتسبر الرواية الأعماق النفسيَّة للشخصيَّات، لتمجد العواطف الإنسانيَّة الصادقة، وصراعات مرحلة المراهقة بين النشوة الجسديَّة، والسُّلطة الدينيَّة والاجتماعيَّة، عبر طرحها لتساؤلٍ جدليٍّ مفاده ”أليست النشوة الجنسيَّة، نشوة روحيَّة؟“. (ص27)

ولا يغيب في الرواية الوجد الصوفي، في محاولة من الكاتبة لإيجاد علاقة بين الروحانيَّة والشبق الجسدي، وطرح إشكاليَّة وجوديَّة، محمِّلة الرواية أبعاداً فلسفيَّة؛ من خلال تساول البطلة ”من أنا؟“ وتتابع الكاتبة ”وبدأت تعي أنها مركَّبة قطعة قطعة، وفكرة فكرة من قبلهم، وبأن أفكارها منسوجة من خيوط أفكارهم، ولكن كيف عساها تعرف ذاتها الحقيقية؟“. (ص33)

كما سلَّطت بيطار من خلال الرواية الضوء على معاناة مرحلة الشيخوخة، واليأس المرافق لها، وتقلُّبات أهواء المُبدعين، والحمل الثقيل الذي يحمِّلهم إيَّاه المعجبون.

واستفادت بيطار من تقنيَّة الاسترجاع، لكشف خفايا الشخصيَّات، عبر تسليط الضوء على مرحلة المراهقة لبطلة الرواية، متحرِّرة من رتابة التتالي الزمني، لتساعد القارئ في ملء الفراغات حول الشخصيَّات.

ورغم تركيزها على المضمون النفسي للشخصيَّات؛ لا تخفِ الروائية السورية اهتمامها بالشكل، والرصانة اللغويَّة، والاعتناء بالصور البلاغيَّة؛ تقول الكاتبة ”كنت أشعر بالنتيجة بشيءٍ من الرضا، كوني أقمت علاقة ودِّيَّة مع اللغة، كوني استرضيتها وطوَّعتها بين يدي، ولأنها قبلت صداقتي، وارتضت أن تأخذ شكل أفكاري وأحاسيسي“. (ص23)

وفي محاولة منها لجذب القارئ؛ استخدمت بيطار ألفاظاً قريبة من اللهجة المحكيَّة؛ ما خلق حالةً من الألفة بين المتلقِّي والعمل الفنِّي؛ تقول الروائية، ودَّت لو تصفعه، لو تبصق بوجهه، لو تشتمه وتصرخ بصوتٍ كالجعير. (ص30)

كما استعانت بالصور البيانيَّة مدللة على متانة سبكها؛ تقول، ”تحوَّل الصراخ لدموعٍ رشفتها إلى بلعومها، مانعةً إيَّاها من الانسكاب على خدِّها. كانت هذه أوَّل خيبةٍ عاطفيَّةٍ تعيشها مع شابٍّ خصاه إيمانه“. (ص31)

haifa

وتغصُّ الرواية بالحنين إلى الأماكن؛ فالمكان من العناصر المهمَّة والرئيسة في الخطاب السردي، والقيمة الوظيفيَّة للمكان على مستوى بنية السَّرد أو على المستوى المضموني والرمزي – كما يرى الكاتب محمد حسانين في كتابه ”استعادة المكان“ – ((لا تقتصر على الإشارة إلى المواضع أو المواقع التي تدور فيها الأحداث، بل تلعب دوراً كبيراً في إنتاج الدلالة وفي الربط بين عناصر القصَّة)).

ومن هذا المنطلق، أصبح وصف المكان يُحيل إلى إشارات وإيحاءات رمزيَّة، وما عاد مقتصراً على ميزاته الجغرافيَّة، فهو ليس مجرَّد حيِّز في العمل الأدبي، بل يدخل في علاقة تفاعليَّة مع بقية العناصر السرديَّة؛ وخاصَّة الشخصيَّة، ويحدِّد اتِّجاهاتها الفكريَّة والنفسيَّة، فهي تتأثر بالتقاليد والأعراف المتوارثة، وتخضع للأحكام والقوانين السائدة، لتفسِّر ردود أفعالها على ضوء طبيعة المكان الذي تحيا فيه.

 وتبدأ الرواية بإيقاع خافت، يوحي بالهدوء، لتتسارع الأحداث بعد الفصل الأول، بشكلٍ تصاعديٍّ.

وفي منتصف الرواية، وتحديداً في الفصل الذي أطلقت عليه الكاتبة عنوان ”زواج العهر“ وهي تسترجع ذكريات زواج البطلة من طبيب أرثوذكسي ثري، مقيم في باريس، نلاحظ سيرورة الضمائر وقد تحولت من السَّرد بضمير المتكلم، إلى السرد بضمير الغائب؛ ما منح الرواية المزيد من الحيوية عبر كسر الرتم.

أما من ناحية المضمون؛ فأوحى التحول إلى ضمير الغائب، بأن البطلة وهي تسترجع ذكريات زواجها المر، تسرد قصة شخصٍ غريبٍ عنها، منفصلٍ عن ذاتها.

وربَّما أرادت بيطار أن تزرع في ذهن القارئ احتقار بطلة الرواية لتلك الفترة من حياتها، حين كانت مسيَّرةً من قِبل المجتمع، المتمثِّل بوالديها وجيرانها والكهنة.

وتعود الرواية في فصولها الأخيرة، إلى صيغة المتكلم، كدلالةٍ على عودة البطلة من الذكريات إلى اللحظة الراهنة، لينتقل القارئ بسلاسة بين أزمنة الرواية، وتصل الرواية إلى السكون مع نهايتها، عبر التصالح الداخلي، والهدوء النفسي، حيث مناخ الحريَّة والصفاء الذي تمكنت البطلة من الوصول إليه.

”امرأة من طابقَين“؛ تصوير وجداني للصراع الداخلي لدى الأنثى، والبشر عموماً، صراعٌ بين الأنا، والأنا العليا، صراع بين الرغبات والممنوعات، ونزاعٌ أبدي بين الماديَّات وعالم المُثُل.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com