الاغتراب الذاتي.. داءُ المبدعين المزمن‎

الاغتراب الذاتي.. داءُ المبدعين المزمن‎

المصدر: مهند الحميدي – إرم نيوز

يُعدّ الاغتراب الذاتي من أبرز الأزمات النفسيَّة التي تعصف بالفنَّانين والمبدعين الثوريِّين، في ظلِّ الخيبات وحالة الإحباط، جراء انكسار أحلامهم ورؤاهم وطاقاتهم المتفجِّرة، أمام واقعهم المتسلِّط.

ويؤدي توالي الخيبات إلى تأزم علاقة المبدع مع الأنظمة برموزها كافَّة، لينتهي به المطاف في دوامةٍ من الإحساس بالعزلة، ليفضِّل الاستسلام والانكفاء على الذات.

ولم يغفل الفن العربي الحديث، بجميع أصنافه، الخوض في ظاهرة اغتراب الفرد المبدع، إذ شكَّل السِّمة الأبرز في شخصيَّات العديد من الكتَّاب، والروائيِّين، والفنانيِّين التشكيليِّين، والمسرحيِّين.

فالظروف المعيشيَّة المتردِّية، وانعدام الحريَّة والمساواة في ظل المجتمع الرأسمالي الحديث، دفعت الفرد إلى الانكفاء على نفسه والشعور بالاغتراب، إذ تنعزل الشخصيَّة المغتربة التي أخفقت في تحقيق الانسجام والتماهي مع أعراف المجتمع وقوانينه، لتلجأ إلى الانسحاب.

والحياة السياسيَّة العربيَّة أنتجت واقعاً جديداً ومتغيِّرات كبيرة أثَّرت في الإنسان المعاصِر الذي وقف عاجزاً أو مسلوب الإرادة أمام مكوِّنات العصر الجديد، ليعاني من اغتراب روحي وفكري ويتساءل عن أهميَّته وفاعليَّته؛ ما دفع كبار الباحثين والعلماء في مختلف المجالات إلى تخصيص مساحات كبيرة من أعمالهم لمناقشة مفهوم الاغتراب، والبحث في مظاهره، والتقصِّي عن مصادره وأسبابه.

ويرى الباحث ”ميشيل مان“ في كتابة ”موسوعة العلوم الاجتماعيَّة“ أنَّ كلمة ”اغتراب“ تدلَّ على ”ضياع المرء وغربته عن ذات نفسه، أو عن المجتمع الذي ينتمي إليه، أو عن الهيمنة على العمليَّات الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة“.

وتجدر الإشارة إلى صعوبة وضع تعريف محدَّد لمفهوم الاغتراب، إلا أنَّ السياقات التي ورد فيها هذا المصطلح غالباً ما تشير إلى العجز، الانفصال، العزلة، اللامبالاة، الانسحاق، والتسليم، وهذه المعاني جميعاً تشير إلى الإحباط الذي تسبَّبت به الحضارة للإنسان، إذ فرضت عليه واقعاً يتنافر وطبيعته الفطريَّة البدائيَّة، لتكون النتيجة انعزال المبدع عن حركة المجتمع وثقافته واغترابه عن وجوده الحقيقي.

وأهم مظاهر الاغتراب تظهر في حالات العجز، واللا معياريَّة وتفكُّك القيم، وفقدان المعنى، وغربة الذات، والعزلة الاجتماعيَّة.

ويعرِّف عالم النفس ”إيريك فروم“ الاغتراب الذاتي بأنه ”نمط من التجربة يعيش فيها الإنسان كشيء غريب، ويمكن القول، إنَّه أصبح غريباً عن نفسه، فلا يعود يعيش نفسه كمركز للعالم وكمحرِّك لأفعاله“.

فظاهرة الاغتراب جاءت نتيجةً حتميَّةً للتحوُّلات الحضاريَّة الهائلة، وللمتغيِّرات السياسيَّة والاجتماعيَّة التي طرأت على المجتمعات العربيَّة، والممارسات القمعيَّة المطبَّقة بهدف إرساء قواعد الأنظمة الاستبداديَّة المتخفِّية بأردية الحضارة الحديثة.

ولابدَّ من القول، إنَّ الظروف القاهرة في الوطن العربي الذي يُعدّ معقلاً لجميع أشكال القهر والفقر والتخلُّف أثَّرت سلباً في الإنسان العربي وخلقت شرخاً في كينونته ليفقد دوره الحضاري ويغدو كائناً انهزاميَّاً فاقداً للسيطرة على حياته، وخاضعاً لقوى القمع المتمثِّلة بالأسرة والسُّلطات الدينيَّة والأحزاب السياسيَّة والدولة.

ويُعدّ القمع أحد أهم مصادر الأزمة العربيَّة المتمثِّلة بالتفكُّك السياسي والاجتماعي والطائفي، إذ يهدِّد وحدة المجتمع ويعكِّر صفو العلاقات الاجتماعيَّة والتواصل الإنساني.

وبالإضافة إلى الحصار السياسي المطوِّق لحــرِّيَّات الفرد العربي، يظهر الحصار الاجتماعي الذي يضرب بجذوره عميقاً في المجتمعات النامية، والمتمثِّل بالعادات والتقاليد ومنظومة القيم المتوارثة من أشباح الماضي.

فالأوضاع المتأزِّمة في المجتمع العربي، تحيل الفرد إلى كائن مغترب عن ذاته ووطنه ومؤسَّساته وتدفعه إلى التأقلم والتكيُّف مع واقعه المتردِّي، عوضاً عن الكفاح في سبيل النهضة والتقدُّم الروحي والحضاري.

وكثيراً ما يلجأ المبدع المغترب عن ذاته ومجتمعه، إلى التخلَّى عن المواجهة ويؤثر الانسحاب والعزلة إلى أحلام اليقظة، كخير بديل عن الواقع الأليم، ليعيش في عوالم مفقودة، يستردُّ فيها كرامته المهدورة.

ويغلب على الشخصيَّة المغتربة الطابع التشاؤمي، في ظل ما تعانيه من انغلاق وتقوقع واستسلام قدري، توصلها إلى نتيجة مفادها الفراغ والعبثيَّة واللا جدوى، في حياةٍ أشبه ما تكون بالموت، إذ لا خيار أمامها سوى الرضوخ والانصياع.

كما يعدّ كره العمل من السمات التي تميز شخصية المبدعين المغتربين عن محيطهم، كردة فعل تجاه مجتمعٍ يلغي الإبداع ويهمِّش الجوانب الفنِّيَّة الخلَّاقة لجوهر الشخصيَّة، إذ يتحوَّل العمل إلى مجرَّد فعلٍ آلي خالٍ من الروح والشغف، يرضخ فيه العامل لرغبات صاحب العمل، أو رأس المال فيغدو عبداً لحاجات السوق ومتطلَّباته، ما يحجِّم دوره الإنساني الخلَّاق، ويؤدِّي به لكره عمله وعدم القدرة على الانسجام معه، ويخلق لديه ردَّة فعل سلبيَّة رافضة للواقع الجائر بما يحمله من ظلم اقتصادي واجتماعي.

وفي الوقت الذي يؤثر فيه بعض المبدعين الانسحاب والهروب واللجوء إلى العزلة وربَّما الانتحار، نجد آخرين في سعي حثيث للبحث عن الذات، في محاولة للعودة بها إلى فطرتها السليمة، وروحها المبدعة النقيَّة، معلنين الثورة والتمرُّد وعدم الانصياع لنواميس السائد الاجتماعي والسياسي.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com