سقوط ”إمبراطورية الشعر“ في العالم العربي (فيديو إرم نيوز)

سقوط ”إمبراطورية الشعر“ في العالم العربي (فيديو إرم نيوز)

المصدر: نعمة عز الدين - إرم نيوز

في عام 1999، تنبأ الناقد الكبير الدكتور جابر عصفور، وزير الثقافة المصري الأسبق، بقيام دولة الرواية، معلناً للجميع في كتابه الذي صدر في نفس العام، بعنوان ”زمن الرواية“، أن إمبراطورية الشعر العربي سقطت بغير رجعة، وأوضح بكلمات تشبه البيان العسكري عند سقوط دول وقيام دول أخرى على أنقاضها، قائلًا،“لقد ساد الشعر في عصور الفطرة والأساطير، أما هذا العصر، عصر العلم والصناعة والحقائق، فيحتاج حتمًا لفن جديد، يوفق على قدر الطاقة بين شغف الإنسان الحديث بالحقائق وتحنانه القديم إلى الخيال، وقد وجد العصر غايته في القصة، فإذا تأخر الشعر عنها في مجال الانتشار، فليس أرقى من حيث الزمن، ولكن لأنه تنقصه بعض العناصر التي تجعله موائماً للعصر، فالقصة على هذا الرأي هي شعر الدنيا الحديثة“.

هذه النبوءة التي خرجت من عباءة ناقد كبير، تجعل المتأمل للمشهد الثقافي العربي يجد أنها تتحقق مع الوقت، فأين الشعر العربي الآن ؟، هل ودع القارئ العربي الشعراء ؟، وأين الشاعر النجم الذي كان يلتف الآلاف حوله لسماع قصيدته الجديدة ؟.

منذ صدور هذه النبوءة، والشعراء يدافعون عن حضورهم، فالشاعر الكبير محمد فريد أبو سعدة، صاحب دواوين ”السفر إلى منابت الأنهار“، و“وردة القيظ“، و“ذاكرة الوعل“، والعديد من الدراسات النقدية للشعر المعاصر، منها ”في النقد التطبيقي“، و“بناء لغة الشعر“، وغيرها، يقول لـ“إرم نيوز“: ”الشعر ككائن حي قد طور نفسه ليواجه عالماً معقدا،ً كالذي نعيش فيه، وربما ما نراه من هوس التجريب في هذا الفن يكون دلالة على أن الشعر كالإنسان يتطور عبر التحدي والاستجابة“.

وأضاف أبوسعدة، بالطبع القصيدة البسيطة هي لحن، مهما كان جميلاً لا يملك شيئاً أمام السيمفونية، وهي كوخ يبهت أمام الكاتدرائية، ولكن لماذا لا ننتبه لما يحدث في الشعر الآن؟، لقد وسع نفسه وأذاب تخومه لتلتقي بتخوم أخرى، هي تخوم السينما والمسرح والموسيقى والعمارة .

وتابع، لقد وجدت الفنون لتبقى وهي في سبيل البقاء قادرة على القيام بتحولات مدهشة، ولقد كتبت المسرح الشعري في لحظة تراجع فيها حضوره كليًا، بل أتوقع مرة أخرى العودة ”لأبو الفنون“ جميعاً وهو المسرح في السنوات المقبلة.

أما الناقد والشاعر أحمد حسن، فقال، هذه المقولة بتراجع الشعر أمام سطوة الرواية، روج لها نقاد كبار منذ بضع سنوات، يأتي في مقدمتهم الناقد الكبير جابر عصفور، ولكن لا أعتقد أن الشعر انحصر دوره، ربما لم يعد يعتلي المنابر كما كان قديمًا، لأن طبيعة الحياة العصرية الحديثة التي تعيشها الثقافة المصرية لم تعد تحتفي بالشعراء الشباب، بل يجدون كمًا كبيرًا من الإهمال والاغتراب.

وواصل حسن حديثه قائلًا، بينما الرواية سر رواجها أنها مرتبطة بالقراءة الهادئة، دون وسيط ثالث، ولكننا في لجنة الشعر بالمجلس الأعلى للثقافة نقيم صالوناً شعرياً شهرياً نقدم فيه التجارب الشعرية الشابة مع رؤية نقدية لأعمالهم.

وأوضح، ”في تقديري أن لا علاقة بين الشعر كفن والرواية كفن آخر، فهي أشبه بالأواني المستطرقة أي أنها كلها أجناس وروافد ثقافية، يحاور بعضها بعضا، فيستفيد الشاعر من الروائي ويستفيد الروائي من الشاعر“.

فيما قالت الشاعرة والمترجمة أمل جمال، التي تشغل منصب سفير سلام عالمي بدائرة سفراء السلام العالميين – جنيف سويسرا – كما أنها عضو مؤسس في جماعة إضافة الأدبية وقد صدر لها عدة دواوين منها ”لا أسميك“، و“من أجل سحابه“، و“حدث في مثل هذا البيت“: ”لقد مر الشعر العربي بمراحل عديدة، عبر فيها عن ذائقته الحضارية، فمن الشعر الكلاسيكي لقصيدة التفعيلة نهاية بقصيدة النثر، أرى من وجهة نظري أنه لم يكن هناك تيارات نقدية تواكب مثل هذه التطورات، والمراحل التي مرت بها القصيدة العربية“.

وتابعت، ”أصبح هناك فجوة بين الشاعر والجمهور، خاصة أن الناشر أصبح يميل للرائج من الأعمال الروائية التي سوف تعود عليه بالربح، فالرواية مليئة بالأحداث والشخصيات التي تتصارع مع بعضها البعض، ولا تحتاج إلى وسيط بينها وبين القارئ، لكي يستوعبها ويفهمها عكس القصيدة الشعرية التي تحتاج إلى تفكيكها أمام القارئ“.

وأضاف الدكتور محمد أبو شوارب، أستاذ الأدب والنقد بجامعة الإسكندرية والمؤسس للقاءات ”ديوانية الشعر العربي“، والذي يقام كل شهر بمكتبة الإسكندرية، ”هناك آمال عريضة لدى قطاعات واسعة من المثقفين والمنشغلين بفن الشعر، في أن تضطلع ديوانية الشعر العربي، بدور بارز في إثراء حركة الشعر العربي على مستوى واسع لا يقنع بأن يغطي أثره مدينة المركز فحسب، بل يمتد متجاوزًا الإسكندرية، ليشمل مصر كلها، ولتظهر نتائجه واضحة جلية في سائر ربوع الوطن العربي“.

ويرى الدكتور خالد عزب، رئيس قطاع المشروعات والخدمات المركزية بمكتبة الإسكندرية، أن الهدف من ”ديوانية الشعر العربي“ هو مواجهة ما يمر به فن الشعر من ظروف صعبة وانحسار متتابع وتراجع مستمر في طبيعة أدائه، وحضور مبدعيه وقدرته على التأثير في المتلقي العربي، على الرغم من كونه أقدم فنون القول العربي وأكثرها ارتباطًا بهوية الإنسان العربي وشخصيته فكريًا ووجدانيًا.


للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com