أسامة الحبشي: علاقتنا بالغرب صراع حضارات وليست تقارب ثقافات

أسامة الحبشي: علاقتنا بالغرب صراع حضارات وليست تقارب ثقافات

المصدر: نعمة عزالدين – إرم نيوز

أسامة الحبشي.. كاتب مصري شاب، شغوف بالسينما ودارس لتقنياتها، يكتب الرواية التجريبية بأسلوب وجيز ورشيق ومكثف، ممسوس بنزعة ما بعد الحداثة، في ولعها بالمزج بين العوالم والمستويات، صدرت له عدة أعمال لافتة، آخرها بعنوان ”طريف 1968″، ويعدّها هذيانًا يتضرع به إلى الله، في لمسة صوفية مرحة، تُلاعب الموت وتهفو للأحبة الراحلين من دنياه الشخصية، مثل: أمه، أبيه، وجدته، ومن دنيا الكتابة والإبداع، ممثلة في أسماء يُهدِي لها روايته، مثل ”خوان رولفو، ودوستويفسكي، ومالك حداد، والطيب صالح”، كي يهذي – كما يقول- معهم، ويهذوا معه في المقابل.

أما نزعة ما بعد الحداثة، فتتجلى في تفكيك عملية الكتابة، ودورانها حول نفسها، والتلاعب مع الشخصيات، مع مزج الشعبي بالرسمي، والصوفي بالدنيوي، والحفر في جذور الأصوات، وتعريتها، والكشف عن اللحظات الفائقة والفارقة في وجودها، مع تكسير خطوط الزمن، وتشتيت معالم الأمكنة، وتفادي السرد الحكائي المتماسك الوحيد الاتجاه، الوحيد المعقول للتسمية.

هذا جزء من رؤية ناقد كبير، هو الدكتور صلاح فضل، للتجربة الإبداعية الخاصة جداً للروائي أسامة الحبشي، إذ يقول، هذا المزج القسري بين المتناقضات هو بيت القصيد في تجريبية الحبشي، وهو الذي يثير اهتمام النقاد المشتغلين بصناعة الأدب والفن، ويثير ضيق القارئ العادي أيضاً، إذ يرى فيه شيئًا من الارتباك المقصود، في طرح تفسيرات مختلفة لظواهر عبثية.

لذلك كان حوار ”إرم نيوز“ مع الروائي أسامة الحبشي، تحديا من نوع خاص ومحاولة للكشف عن جوانب من عالمه الإبداعي المسحور.

– لعل تجربتك مع فعل الكتابة مختلف عن أبناء جيلك، نظراً للسنوات الطويلة التي قضيتها مغترباً بين عواصم ومدن القارة الأوروبية واحتكاكك المباشر بالآخر الغربي وثقافته؟

لقد أفادتني تجربة الترحال عن الوطن كثيراً، ففي تصوري أن من عاش نفس تجربتي من الروائيين، يمتلك نفس الآفاق الواسعة دون التحيز لثقافة بعينها، بالإضافة إلى عدم النظرة إلى حيز فكري دون آخر، كل تلك العوامل تجعل متعة التجريب في الكتابة متاحة وممكنة إلى حد كبير، والتجريب عندي متعدد المستويات في الرواية، فأنا أقوم بالتجريب على مستوى السرد في الرواية، والتجريب كذلك على مستوى اللغة المستخدمة على لسان شخصيات الرواية.

 

– لكل روائي مشروعه الفكري، الذي يقوم بالتأصيل له من خلال أعماله الأدبية، فما هو الحلم الذي حاولت أن تكرس له؟

امتلك حلم الكتابة عن التاريخ المصري، خاصة الحقبة الفرعونية، ذلك التاريخ الممتد لآلاف السنين، الذي عانى طويلاً من تيارات استشراقية غير منصفة، هذا التاريخ الحافل بالأساطير الشعبية والملاحم البطولية، وآلاف القصائد الشعرية وغير ذلك من كنوز تاريخنا المصري، أو تاريخ المنطقة العربية ككل، وهذه المادة الثرية جداً، يمكن تطويعها في عشرات الأعمال الروائية والشعرية الحديثة، في محاولة جادة وجديدة، لإحياء تاريخنا وتأكيد هويتنا دون الانصياع غير المبرر للتاريخ الإغريقي أو الغربي.

– هل حاولت تطبيق هذه الرؤية في أعمالك، فقمت بإسقاط حقبة تاريخية معينة على أحداث الرواية وشخوصها؟ 

بالطبع فعلت، ففي روايتي ”حجر الخلفة“، والتي صدرت العام 2013، تناولت بدء الخليقة وحتى القرن العشرين، ربما بشكل مكثف ولكني استعرضت فيها، كيف أن كل الأديان السماوية، تناولت قصة بدء الخليقة، ومن قبل تلك الأديان السماوية، كيف دونت الحضارة الفرعونية قصة الخلق على المعابد والجدران، وتأثيرها في الحضارة الصينية واليابانية والبابلية وغيرها من الحضارات القديمة، فكانت روايتي ”حجر الخلفة“ -ربما- نوعا من إلقاء الضوء على هذا الجانب في تاريخنا الفرعوني وموقعه من الحضارات الأخرى، ولقد صدر  مؤخراً كتابٌ أسعدني شخصياً، بعنوان ”مصر في الأساطير العربية“، للدكتور عمرو منير، ومضمونه يحتوي على نفس فكرة روايتي ”حجر الخلفة“، أي رد الاعتبار للثقافة المصرية وللتاريخ المصري القديم، ولهذا الزخم الهائل في الموروث الشعبي المصري.

– عشت طويلاً بين مدن وعواصم أوروبية، هل استطاع الكتاب والشعراء العرب أن يصلوا بإنتاجهم الفكري إلى القارئ الغربي؟ وهل هناك صوت إبداعي عربي معروف في الغرب؟ 

أقولها لك وبصراحة، نحن نعيش في علاقتنا الملتبسة مع الغرب، بما يعرف بصراع الحضارات، وليس تقارب الثقافات، فهناك من يريد في المدارس الاستشراقية الغربية أن يهدم الثقافات المغايرة لثقافته، لذلك ستجدين من المهتمين بالمشهد الثقافي العربي من المستشرقين، من يخدم تلك الفكرة، بمعنى لو صدر كتاب عربي يتحدث عن فضل الحضارة المصرية القديمة أو الحضارة العربية بشكل عام على أوروبا، يكون رد الفعل تجاه ذلك الكتاب، هو التجاهل التام وعدم الالتفات له، فالغرب لا يريد أن يعترف بأهميتك التاريخية، والتي سبقته في التقدم والعلوم بآلاف السنين، حتى الحضارة الفينيقية والتي أخذت كلمة ”أوروب“ من أبجديتها، لا يعترفون بفضلها على الحضارة الغربية، لذك لن يصل صوت الجهد الفكري العربي الذي يعلي من قيمنا الحضارية والإنسانية إلى القارئ الغربي، وإذا وصل، فهو القليل النادر.

– هناك كثير من الروائيين المصريين من تناولوا التاريخ العربي والمصري، وألقوا الضوء على فترات مشرقة منه، مثل: نجيب محفوظ، ورضوى عاشور وجمال الغيطاني، فلماذا لم تذكر هؤلاء؟

كلامك صحيح إلى حد بعيد، ولكن الاستثناء في كل هؤلاء، هو الروائي نجيب محفوظ، فقط، والذي تناول التاريخ الفرعوني بشاعرية وإنصاف تليق بمكانته الروائية، ولكن باقي من ذكرتهم لم يتطرقوا إلى أبعد من تاريخ الأندلس والفترات التاريخية القريبة، فتاريخنا الموغل في القدم وحضارتنا الفرعونية مليئة بما يستحق التأمل والكتابة في عشرات الأعمال الروائية الحديثة، فمصر منبع للكتابة لا ينضب أبداً فهي عبر تاريخها الطويل كانت مظلة لكل الحضارات والأديان.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com